Accessibility links

مشاركة من صديقة (إرفع صوتك) حسناء جهاد بو حرفوش:

إن التفكير بما ربحه تنظيم داعش حتى الساعة يدفعنا لطرح السؤال بطريقتين: ما نعتقد نحن كمتابعين أن داعش فاز به، وما يعتقد مناصروه (على اختلاف حججهم) أنه قد غنمه.

الأجدر البدء بمواجهة الحقيقة البشعة وهي أن الكثير من الناس ما زالوا يخلطون بين هذا التنظيم وراية الإسلام المجاهد. بيد أن الجهاد، ولا بد من التذكير، لا ينضوي على القتل العشوائي (ولا حتى الممنهج) ولا على التدمير. وهي مناسبة للتذكير، بما أن العالم الإسلامي يحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف، بأن الاسلام يقوم أيضا على وصايا النبي محمد (ص) والتي تشدد على احترام آداب الحرب والغزو، وأهمها عدم الغدر وعدم التمثيل بالقتلى (ولا حتى بالأشجار) وعدم المساس بالمساكين في حالة القتال، ورفض الأذية في حالة الحصار.

إن القارئ مدعو إذا إلى مقاربة الواقع ومقارنته من زاوية الشرائع (بما أن داعش اختارها له ساحة) وإلى بلورة مواقفه انطلاقا من الحس النقدي الذي يكرس الإنسانية قبل أي شيء آخر. وعليه أيضا أن يأخذ في عين الاعتبار أن التشكيلة غير المتجانسة لهذا التنظيم تشكل مرآة لماضي كل من يحمل رايته. يقول ميرلو بونتي إن “ماضينا يشكل القاعدة الذي تبنى عليه أهرام حياتنا الآنية”. لكن من أجل أن تبنى هذه الحياة بشكل سليم، لا بد من متابعة البناء بكل تفاصيله تجنبا لأية حصى (نعم هي حصى ولكن خطرها كبير) من شأنها أن تهدد الهرم بأسره. فما هي القاعدة التي يبني عليها هذا التنطيم نجاحاته؟

لقد ربح داعش شيئين حتى الساعة:

الأول: تحوير الأنظار عن الحقيقة: الواقع أن منطقة الشرق الأوسط ومحيطها والتي ما زالت مخضوضة من تبعات الربيع العربي، باتت مشغولة بداعش أكثر بكثير من الملف الفلسطيني والملف النفطي وما يرتبط به من مصائر اقتصادات عوالم بأسرها. بينما اقتصاد التنظيم القائم على “الحوالات المالية” يزدهر لا محال. وقد سمعنا أصواتا تعلو مهللة بانخفاض أسعار المحروقات في بعض المدن دون البحث عما يخفى وراء هذا الانخفاض، وهو مؤشر كبير لتمسك السواد الأعظم من الناس بثقافة الكسل ولعب دور الضحية.

الثاني: تغذية التطرف الديني بحجج مختلفة حتى باتت ثقافة التبرير صالحة لكل فعل شنيع. وليس هناك من شك أنه إلى جانب الجهل المستشري في الدين، تصبح المفردات الدينية أرضا خصبة للاجتهادات المختلفة والتي تكفر بالثقافة والوحدة. وخير دليل على ذلك ما يعصف بالعالم العربي وآخره في جمهورية مصر حيث التطرف ما زال يلعب على وتر الاختلاف الديني.

أخيرا، لا بد من الاشارة إلى استراتيجية أخيرة للتنظيم مبينة على إبقاء ذكراه على قيد الحياة عن طريق ربطها بالمعالم التي لمسها الخلود، من وجهات أثرية وشخصيات ومناطق ارتبط اسمها بالقداسة. لكن هل فاز حقا بأكثر من ارتباط اسمه بعصر الانحلال الإنساني والثقافي؟

عن الكاتبة: حسناء جهاد بو حرفوش، دكتوراه في الآداب الحديثة، متخصصة في المدونات اللبنانيّة (1914-2014) في جامعة السوربون الفرنسية وجامعة بيروت العربية. حائزة على ماجستير في الأدب الفرنكوفوني. حائزة على منحة “ميد أكوي” للتفوّق العلمي. صحافية ولها عدة ترجمات. أستاذة محاضرة في عدة جامعات لبنانية في اللغات الأجنبية والكتابة الإبداعية في الإعلام الحديث والمسرح، ولها مشاركات ومنشورات في مؤتمرات ثقافية.

لمتابعة حسناء على فيسبوك إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

التعليقات

XS
SM
MD
LG