Accessibility links

مشاركة من صديقة (إرفع صوتك) حسناء بو حرفوش:

لعل أقسى ما يمكن أن تقاس به الحرب هو مقدار انتهاكها لبراءة الطفولة. في الحرب، يشيخ الشباب 1000 عام وهم يحصون عدد القنابل التي تنهال عليهم في الدقيقة أو يتحينون صفارة الإنذار القادمة. أما الأطفال، فلا يقبعون إلا بين الصمت المطبق والبكاء المدوي. لكن الصمت سرعان ما يخطف قهقهاتهم الجميلة.

في الحرب، يقتل الأطفال 1000 مرة في السرير وتحت الغطاء وداخل الخزانة وتحت الطاولة وفي الحمامات وفي أحضان ذويهم. يموتون خوفا من الضجيج الكبير الذي لم تألفه آذانهم، فهو لا يشبه الرعد الحامل للمطر ولا ضوضاؤه المدوية تشبه البرق الآذن بضرورة الحفاظ على الدفء.

في الحرب، تموت ألعابهم فلا ينتظرون ممن رحل أن يفاجئهم مسرعا: ها أنا! ثم يختبئون ويعيدون الكرة. لا يرمون بحجر ويحتلون المربع الذي سقط فيه، فالدنيا كلها الحين مربعات أمنية وألغام بألف شكل وشكل. في الحرب، تموت رغبتهم باللعب خوفا من الافتراق وهم يركضون خلف بعضهم البعض. في الحرب، ينتظرهم أترابهم ممن خرجوا من الأرض المنكوبة، ويلعبون تضامنا معهم "لعبة النظام والمعارضة".

بالأمس وأنا أتسوّق، سمعت صدفة إحدى النساء تهذب ابنها: كيف تشتري سلاحا (بندقية بلاستيكية) ونحن ندعو لنزع السلاح؟

هل حقا باتت الطفولة ناضجة لدرجة نسمح فيها لأنفسنا بالتخاطب مع الصغار كما لو كانوا أندادا؟ ها هي الطفولة تموت مرة.

بالأمس أيضا لمحت أطفالا يلعبون "لعبة الاعتقال"، ومنذ متى تسللت هذه المفردات إلى قلوب الأطفال؟ هل عرفوا المعتقل حقا؟ من أين ألفوه؟ وكيف وصلوا إلى هذه الحال؟

بالأمس كانت كتب التاريخ وما زالت تضج بقصص الذين رحلوا قبل أن يتعلموا أن يركّبوا جملة واحدة. لا يزال يطاردني ما نقل عن أحد رجال الدين في إحدى أجمل الروايات عن زمن المجاعة في لبنان: دعوا الأطفال يموتون فلعلهم عند الله لا يتضورون جوعا.

أفتح صفحات وسائل التواصل الاجتماعي فأراها باتت ساحة معركة حول ما يحصل في حلب، بين تصنيفه بنصر للنظام وانتهاك للبشرية. فعلى أي أساس يتم الحكم على أحداث حلب؟ لقد مات الكثير من الأطفال إلى حد باتت فيه أعيننا تلفظ الصور ومقاطع الفيديو.

ثم يعود المتصفحون إلى ملاذهم الأخير: أين أنت يا الله؟ بأسى وعتب وغضب. تستذكر صديقتي الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي باقتراحه: لماذا لا يرفع (الله) الأطفال الى السماء مؤقتا ريثما تنتهي الحرب، ثم يعيدهم إلى بيوتهم آمنين؟ وحين يسألهم أهلهم محتارين: أين كنتم؟ يجيبون مرحين: كنا نلعب مع الغيوم.

إن أطفال حلب وسواها من المدن المنكوبة لا يموتون مرة واحدة فقط. فإننا كلما حجمناهم لإحصائيات استراتيجية، نقتلهم مرة جديدة. لكن في خضم الحرب المهولة التي تتغذى على أجسادهم، أليس الموت أرحم؟ وفي هذه المعركة، العار لمن يصفق لطرف دون آخر، فأطفال حلب هم وحدهم الأبطال.

عن الكاتبة: حسناء جهاد بو حرفوش، دكتوراه في الآداب الحديثة، متخصصة في المدونات اللبنانيّة (1914-2014) في جامعة السوربون الفرنسية وجامعة بيروت العربية. حائزة على ماجستير في الأدب الفرنكوفوني. حائزة على منحة “ميد أكوي” للتفوّق العلمي. صحافية ولها عدة ترجمات. أستاذة محاضرة في عدة جامعات لبنانية في اللغات الأجنبية والكتابة الإبداعية في الإعلام الحديث والمسرح، ولها مشاركات ومنشورات في مؤتمرات ثقافية.

لمتابعة حسناء على فيسبوك إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

التعليقات

XS
SM
MD
LG