Accessibility links

Breaking News

السلفية الجهادية في المغرب.. من الجذور إلى الإرهاب


بقلم خالد الغالي:

ليست السلفية في المغرب شيئا جديدا. ويعتبر المؤرخون أن الدولة المرابطية التي حكمت المغرب خلال القرنين 11 و12 الميلاديين كانت تتبع منهجا سلفيا. ومعروف أن المرابطين أحرقوا كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي في قرطبة، وأمروا بإحراقه في مختلف البلاد التي يحكمونها، بسبب نزعته الصوفية.

بعد قرون، وبالتزامن مع ظهور حركة محمد بن الوهاب في الجزيرة العربية، في القرن الثامن عشر، كانت الأصداء تصل بلاد المغرب. بل، إن سلطانين مغربيين عرف عنهما تعاطفهما مع الحركة السلفية، إن لم يكن تبنيها. يتعلق الأمر بمحمد بن عبد الله (1710-1790) وابنه سليمان (1766-1822)، الذي أرسل وفدا إلى الحجاز للقاء حكامها الجدد وتبيان أمر دعوتهم.

ظل أمر السلفية بعدها خافتا في المغرب، باستثناء دعوة بعض السلاطين إلى التمسك بالكتاب والسنة ومحاربة البدع. لكن، مع مجيء الاستعمار (1912-1956)، دبت روح جديدة في جسد الدعوة السلفية، فقد كانت الحركة الوطنية في البلاد تعتبر نفسها سلفية.

يقول الباحث المغربي في الحركات الإسلامية عبد الحكيم أبو اللوز في تصريح لموقع (إرفع صوتك) "كانت الحركة الوطنية سلفية من حيث مواقفها الدينية الداعية إلى الرجوع إلى الإسلام الصافي ومحاربة البدع". وقد وقفت خلال هذه الفترة في وجه التحالف الذي قام بين سلطات الاستعمار الفرنسي وبعض الحركات الصوفية المؤيدة لها.

ضرب الماركسية بالوهابية

بعد حصول المغرب على استقلاله، انتهت مرحلة الحركة السلفية الوطنية بوفاة زعمائها وعلى رأسهم زعيم حزب الاستقلال علال الفاسي (1910-1974)، وبدأت سلفية جديدة في الظهور متأثرة بالتيار الوهابي في المملكة العربية السعودية. وكان عرابها عالم معروف درس في الشرق اسمه تقي الدين الهلالي، وينظر إليه على أنه أبو "الوهابية المغربية". بعد وفاته سنة 1987، انتقلت قيادة الوهابية المغربية إلى الشيخ محمد بن عبد الرحمن المغراوي، الذي يصنف ضمن التيار السلفي التقليدي، أي السلفية المهتمة بميدان العلوم الشرعية أكثر منها سلفية حركية تخوض في السياسة. وقد بدأ نجم المغراوي في الظهور ابتداء من سنة 1975، عندما أسس "جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة"، التي فتحت العشرات من "دور القرآن" في مختلف المدن المغربية.

خلال فترة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ظهر ما يشبه التحالف بين الدولة والحركة السلفية. يقول أبو اللوز. "كانت الدولة في حاجة إلى السلفية لضرب التيار الماركسي وحركات الإسلام السياسي مثل جماعة العدل والإحسان التي قاد زعيمها عبد السلام ياسين محاولات لتوحيد الحركات الإسلامية. في المقابل، كانت السلفية تسعى إلى اكتساب جزء من الحقل الديني في المغرب، فمنحت الحرية لجمع الأموال من الناس عبر الصدقات والزكاة، قبل أن تربط لاحقا علاقات وطيدة بشبكة الدعوة السلفية عبر العالم، التي كانت تمولها المملكة العربية السعودية".

حرب الخليج تقسّم السلفيين

ظلت السلفية في المغرب تقليدية إلى نهاية الثمانينيات عندما انقسمت عموديا إلى تيارين، حافظ أحدهما على تقليديته فيما تحول الثاني إلى حركي لا يتردد في الجهر بأفكاره السياسية، وهو التيار الذي تحول بعض أفراده إلى سلفية جهادية. كانت محطة الخلاف هي الموقف من الفتوى التي أصدرها علماء المملكة العربية السعودية والتي تؤكد جواز الاستعانة بالولايات المتحدة الأميركية للتصدي للجيش العراقي الذي احتل الكويت. وفي الوقت الذي أبدى فيه الفريق الأول قبوله بالفتوى، رفضها الفريق الثاني وأعلن انشقاقه.

مهد الانشقاق لتيار جديد غير منظم، رغم وجود شيوخ معروفين على رأسه، أطلق عليه لاحقا وصف "السلفية الجهادية. بادر عدد من شبابه إلى تأسيس خلايا جهادية، دون أن تربطهم علاقة تنظيمية برموز التيار المعروفين مثل الشيوخ محمد الفيزازي وعمر الحدوشي وعبد الكريم الشاذلي. يقول أبو اللوز "عمل أفراد التيار تحت أعين السلطات التي لم تتدخل للحد من انتشارهم. لكنها كانت تراقبهم. وبمجرد وقوع هجمات الدار البيضاء (16 أيار/مايو 2003)، بادرت السلطات بشن حملة اعتقالات واسعة في صفوفهم، وصلت إلى خمسة آلاف معتقل. شمل الاعتقال حتى رموز التيار، رغم عدم وجود روابط تنظيمية مع منفذي الهجمات".

بعد هجمات الدار البيضاء وحملة الاعتقالات التي خاضتها السلطات المغربية ضد التيار الجهادي، تراجع حضور السلفية الجهادية، إلا أن هذا لم يمنع من أن يتعرض المغرب لهجومين إرهابيين بعد ذلك: الدار البيضاء سنة 2007، ومراكش سنة 2011.

حاليا، ما يزال حوالي 900 معتقل سلفي في السجون المغربية، فيما أفرجت السلطات عن عدد كبير منهم، بمن فيهم من كانوا يصنفون كرموز للتيار في التسعينيات مثل الفيزازي والحدوشي والشاذلي، أو في بداية الألفية كمحمد عبد الوهاب رفيقي وحسن الكتاني. بل إن عددا من هؤلاء انخرطوا في العمل السياسي ويخوض بعضهم (الشيخ رفيقي مثلا، الذي تخلى عن سلفيته) غمار الانتخابات التشريعية التي تجري في المغرب حالياً. وقريبا قد نرى سلفيين في البرلمان المغربي.

*الصورة: متهمون على خلفية هجمات الدار البيضاء لسنة 2003 وهم يغادرون قاعة المحكمة مغطين رؤوسهم/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

XS
SM
MD
LG