Accessibility links

Breaking News

المُعَنفات ومتلازمة ستوكهولم


بقلم رولا الرياشي:

كثيراً ما يأخذ الجانب الحقوقي والقانوني الحيز الأكبر من النقاش عندما يتعلق الأمر بالعنف ضد المرأة. أما الشق النفسي للمسألة فكثيرا ما يبقى قصيّاً عن البحث علماً بأنه محرك أساسي لآفة العنف عموماً وذلك الموجه ضد المرأة على وجه الخصوص.

تتعدد أسباب العنف ضد المرأة في المجتمعات العربية وتتشعب، لكنها تنبثق في الغالب عن محورين أساسيين وهما: سيادة المجتمع الأبوي وسلسلة الاضطهاد.

يُسهم المجتمع الأبوي في استمرار وتفاقم العنف ضد المرأة من خلال توفيره أعذاراً جاهزة وأخرى عند الطلب لأي رجل تسوّل له نفسه إيذاء امرأة سواء لفظياً أم جسدياً. ومنه تتشعب جرائم الشرف وضرب المرأة بقصد تأديبها والذي يصل في كثير من الأحيان إلى حدود القتل أو التسبب بعاهات مستديمة، وذلك في ظل قبول مجتمعي يتراوح بين الصمت والمباركة.

اقرأ أيضاً:

في اليمن.. قصص مؤلمة لضحايا عنف أسري

خطوات لحماية المرأة من العنف

أما سلسلة الاضطهاد، وعلى الرغم من كونها ليست مستجدّة، إلا أننا نعيش حالياً أكثر حلقاتها قتامة وبؤساً. يعاني الذكور في الوقت الحالي من شتى أشكال الاضطهاد كالقمع السياسي والديني والإثني والإرهاب والفقر والبطالة والنزوح والتعرض للخطف أو الاعتقال. كما أنهم وبحكم تواجدهم في الفضاء المكاني خارج المنزل، أكثر عرضة لأن يشهدوا المذابح والتفجيرات حيث يقف هؤلاء الرجال، الناجون صدفة، على الهامش بين القاتل والقتيل ويرون بأمّ أعينهم كم أن الإنسان رخيص في هذا الشرق فيتحول العنف المشهود إلى آخر مكبوت لا يجد طريقه إلى الخارج إلا عبر الجسد الأضعف، جسد المرأة.

ولوضع حد لهذه الممارسات عمدت الكثير من الدول العربية إلى تبني قوانين مستمدة في معظم الأحيان من الشرائع المدنية الدولية. إلا أنه من المستحيل اجتثاث الظاهرة من خلال العقاب الرادع فحسب، بل يجب العمل على إزالة البنية التحتية الاجتماعية والنفسية للعنف ضد المرأة.

يندر الحديث عن دور المرأة في استمرار العنف الممارس عليها. من خلال الاطلاع على تجارب العديد من النساء المُعنفات، يمكن التوصل لاستنتاج مفاده أن النساء أنفسهن، وعلى الرغم من كونهن غير مسببات للعنف الممارس عليهن في بادئ الأمر، قد يكن مسؤولات عن تفاقمه وتسببه بخواتم مأساوية محتملة لهن أو لأطفالهن الذين قد يشهدوا العنف فيعتادون عليه فيمارسونه في المستقبل في سلسلة لا تنتهي من الألم والدماء والدموع.

قد يبدو الكلام صادماً، إذ كيف لنا أن نحمل الضحية مسؤولية كونها ضحية؟ هل يبدو هذا الكلام منطقياً؟

إن المسؤولية في هذه الحال ليست من خلال الفعل بل الامتناع عنه. أما بخصوص أسباب هذا التقاعس عن المطالبة بالحقوق فبالإضافة إلى كونه متعلق بطبيعة المجتمع، والمرأة جزء منه. إلا أن السبب الأبرز الذي قد يبطل مفاعيل أكثر القوانين صرامة لجهة حماية المرأة هو متلازمة ستوكهولم وهي ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه بشكل من الأشكال، أو يظهر بعض علامات الولاء له.

هذا هو بيت القصيد.

تتعرض المرأة المُعنفة إلى تدمير منهجي يجردها تدريجياً من احترامها لعقلها وجسدها ورغبتها في الحياة فيبلغ الرجل المُعنِّف قصده عندما تتحول زوجته أو ابنته أو أخته وفي أكثر الحالات شذوذا والدته، إلى جسد بلا روح يفرغ فيه عنفه وحقده ويمارس عليه اضطهاداً لطالما مورس بحقه.

وعليه، يقع على عاتقنا نحن أبناء تلك المرأة أو إخوتها أو زملاؤها أو أصدقاؤها تذكيرها دائماً بأنها كاملة الإنسانية وبأنها تستحق حياة كالحياة.

*الصورة: تتعرض المرأة المُعنفة إلى تدمير منهجي يجردها تدريجياً من احترامها لعقلها وجسدها ورغبتها في الحياة/Shutterstock

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

XS
SM
MD
LG