Accessibility links

Breaking News

بعد هزيمة داعش عسكرياً في العراق... هل تأتي المعركة الفكرية؟


بقلم إلسي مِلكونيان:

استطاعت القوات العراقية مدعومة بالتحالف الدولي الذي تقوده أميركا، تحرير غالبية المدن والبلدات العراقية التي كانت واقعة تحت سيطرة داعش خلال الشهور الماضية.

وبينما تتواصل الجهود لتحرير الموصل، أكبر معاقل التنظيم في العراق، يتم اكتشاف وتقدير الأضرار المادية التي ارتكبها التنظيم من خراب ودمار للمنشآت الحيوية في المناطق التي حكمها. فبعد استعادة قاعدة القيارة الجوية مثلاً، صرّح الميجور كريس باركر، الناطق باسم التحالف، أن داعش قد أحدث "أضراراً متعمدة لمحاولة جعل القاعدة غير صالحة للاستخدام"، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

وعلى الرغم من إمكانية إجراء دراسة ميدانية لتقييم الأضرار المادية وتقدير كلفة إعادة تأهيل ما تهدم، يبدو أن الأمر الأصعب بالنسبة للمؤسسات العراقية الآن هو تقدير الأضرار الفكرية في المجتمع وإيجاد السبل الفاعلة لإصلاحها.

أفكار مستشرية في عقول الشباب

على صفحة (إرفع صوتك) في موقع فيسبوك والتي يفوق عدد متابعيها المليون شخص، غالبيتهم شباب عرب، تدور نقاشات حول مواضيع حساسة تتعلق بأيديولوجيا التطرف وتأثيرها على فكر الشباب.

وجاءت تعليقات البعض (من متابعينا في العراق) متفقة مع الأفكار التي يروجها داعش، منها أن التنظيم هو "المدافع" عن السنة، وأن حقوق السنة قد "انتقصت" من قبل المجتمع وحكومات العراق المتعاقبة وأن داعش هو من يطبق الدين بـ"الشكل الصحيح".

كما أفادت تعليقات آخرين بأن التنظيم هو واضع المناهج التربوية "الصحيحة". فهو يربي الأطفال على "العزة" و"الدفاع عن الدين والنفس"، الأمر الذي لم يعد موجوداً في مناهج التعليم العراقية. ويذهب آخرون إلى أبعد من ذلك فيؤيدون دور المرأة المهمش في مجتمعات داعش وأن الخمار الأسود هو "اللباس الشرعي" حسب "شرع الله" وأن العلمانية شيئ خاطئ.

مصدر الأفكار "المتطرفة"

وعرف العراق تاريخاً طويلاً من الحروب نتج عنها أوضاعاً أمنية واقتصادية متردية، تحمّلها مواطنوه على مدى السنين. وساهمت هذه الأوضاع في تغذية أفكار التطرف في عقول البعض من مواطنيه من مختلف الفئات العمرية بسبب غياب انتمائهم لوطن آمن ومستقر. ودعّم داعش هذه الأفكار ورسخها في عقول الشباب، حتى أصبحت الصواب في عيونهم.

تشرح فوزية العطية، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بغداد لموقع (إرفع صوتك) الصورة الأوسع التي تفسر انتشار أيديولوجيا التطرف والمؤيدة لداعش، قائلة "لم يتم إعادة بناء المجتمع العراقي بشكل صحيح منذ الثمانينيات. ولم توضع ضوابط قانونية وثقافية لإصلاح المجتمع وللحد من هجرة الشباب المثقف والأموال الضرورية لبناء العراق".

وتوضح فوزية، أيضاً، أن هذه الحروب التي صاحبها التفكك الأسري وتردّي جودة التعليم هي ما دفع الشباب على صفحة (إرفع صوتك) في فيسبوك للتعبير عن آرائهم بهذا الشكل، وهذا أيضاً نتيجة لتدهور الثقافة المجتمعية العراقية التي كانت مختلفة كلياً في السابق. وتوضح فوزية أن "المجتمع العراقي قبل الثمانينات لم يسعى لتشويه الدين أو لإنقاص شأن المرأة أو فرض اللباس المتشدد عليها".

استراتيجية مجتمعية لمعالجة التطرف والبداية مع الأطفال

من الواضح أن هناك معركة فكرية تتبع هزيمة داعش عسكرياً. وهذه المعركة تستوجب وجود كوادر متخصصة في عملية إعادة بناء المجتمع على أساس نبذ التطرف.

وتشرح شيماء عبد العزيز، أستاذة علم النفس في جامعة بغداد، لموقع (إرفع صوتك) أن استراتيجية تغيير الأفكار المتطرفة لا يمكن تطبيقها على كافة الفئات العمرية على حد سواء.

"من الصعب تغيير أفكار المتقدمين في السن"، حسب قول شيماء. "لذا يجب التركيز على أطفال المدارس، إذ يمكن تغيير أفكارهم بسهولة من خلال مناهج دراسية جديدة تركز على نبذ التطرف". وتؤكد على أهمية افتتاح مراكز تأهيل نفسية ضمن المدارس تعتمد برامج تأهيلية حسب حالات الأطفال، منها ما يركز على السلوك ومنها ما يقدم الإرشاد والمعرفة.

أما بالنسبة لليافعين والشباب خارج المؤسسات التعليمية، تقترح الاختصاصية الجامعية افتتاح مراكز تأهيل بالتعاون مع المؤسسات المختصة داخل المناطق السكنية لتطال كافة الشرائح العمرية وذلك عبر الزيارات الميدانية ليتم من خلالها إصلاح أفكار التطرف في المجتمع ككل.

وتشترك شيماء عبد العزيز وفوزية العطية في "استراتيجية لبناء الشخصية العراقية" في مرحلة ما بعد داعش، تقوم على وضع ضوابط على هجرة الشباب وهجرة الموارد الاقتصادية وإشراك مختصين بعلمي الاجتماع والنفس ومنظمات حقوق الإنسان ووزارتي العمل والصحة في تنفيذ هذه الاستراتيجية لإنقاذ الجيل الجديد من التطرف.

*تنويه: للاطلاع على التعليقات والحوارات، يمكنكم مراجعة التعليقات التي وردت على صفحتنا في فيسبوك حول مقالات الأسبوع الماضي التي رصدت معركة الموصل.

*الصورة: عراقيون يفرون من الشرقاط والقيارة جنوب الموصل/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

XS
SM
MD
LG