Accessibility links

Breaking News

"بوليس السماء": التمييز ضد النساء.. يتجدد


بقلم علي عبد الأمير:

مع تشكيل الدولة العراقية المعاصرة في العام 1921 وبدء مرحلة الخروج من الإرث العثماني المتخلف، بدأت معركة بين معسكرين انقسم اليهما المجتمع وقواه المؤثرة: معسكر ينادي بالحداثة وإنقاذ نصف المجتمع (النساء) من ظلام الجهل، وآخر يناهض التحديث الفكري والإجتماعي بذريعة الحفاظ على الأخلاق الرفيعة التي بدا "السفور" مهددا لها، ومخالفا لقيم الدين الحنيف.

من المعسكر الأول (المجدد) كان الشاعر معروف الرصافي ( 1875 – 1945)، ومن المعسكر الثاني (المحافظ)، كان رجل الدين محمد بهجت الأثري (1890- 1996). وبينهما دار سجال فكري عبر الصحافة ومنابر الخطابة في التجمعات العامة. ففيما كان الأول، يؤازره كثيرون بينهم الشاعر والمفكر جميل صدقي الزهاوي، يدعون إلى تحرر المرأة وخلع الحجاب، كان الأثري يرد بأن ذلك "دعوة للفجور"، حد أنّه لم يتردد عن القول "ألقوا حَبلَ نسائكم على غاربهن، ودعوهن سافرات ودعونا نفعل بهن ما نشاء، إن شئنا قتلهنّ أو إردنا وأدهنّ فلستم علينا بمسيطرين".

موضوعات متعلقة:

الدكتورة آمنة نصير: الإسلام يساوي بين المرأة والرجل

النساء البحرينيات والكويتيات.. الأوفر حظاً في دول الخليج

وحيال هذا راح الرصافي يصف الأثري بأنه "بوليس السماء"، في إشارة إلى أنّه يريد تحويل قيم الدين إلى لعب دور الشرطي الرقيب على أخلاق المجتمع وسلوك نسائه.

هذا يشير إلى حيوية فكرية في نقاش مؤثر، أثارته أجواء الإنفتاح التي أشاعتها السنوات الأولى من عمر الدولة العراقية المعاصرة، ففي العام 1925، وفي أحد أعداد مجلة "ليلى" النسوية الرائدة التي أصدرتها بولينا حسون في العام 1923، والمعنية بالدعوة إلى "النهضة النسوية"، نقرأ مقالا مهما لجهة رصده واقع نصف المجتمع العراقي حينذاك، مثلما يكشف عن استدارات عجيبة في الوعي الإجتماعي، فما يحذر منه المقال، يكاد ينطبق على بعض ما يعيشه المجتمع اليوم في قضية التمييز ضد النساء.

في فقرة من المقال ذاته، تحذير من أن مشاهد الإنفتاح على قضايا تعليم المرأة، وهو أمر كان جديدا على البلاد التي ظلت حتى نهاية الحكم العثماني لم تعرف غير مدرسة أو اثنتين للنساء في بغداد، ليس بالضرورة مؤشرا على "نهضة" حقيقية، فهو يتعلق بقلة من النساء حيال تخلف ثقافي واجتماعي يلف عموم المجتمع وإناثه على وجه الخصوص.

هذا المؤشر القادم منذ أكثر من تسعين عاما، يتضمن ردا على بعض من ينتقي ظواهر تدل على "انفتاح" وأشكال من المساواة تعيشها المرأة العراقية اليوم، فيما الحقائق تكشف عن غير ذلك من أشكال الضيم والإجحاف والتمييز التي تعيشها ملايين من نساء البلاد، رغم وجود وزارة للمرأة، وتمثيل واسع لهن في البرلمان، وفي مواقع الدراسة والعمل.

ويتوجه المقال ضمن خطاب يدعو إلى تكريس ثقافة نكران الذات، إلى اعتبار مصير نساء البلاد كلها، مصيرا شخصيا لأي متعلمة في ذلك الوقت، وجعل المستوى الثقافي الذي تصله أي امرأة متعلمة، نهجا من أجل ان تصله نساء المجتمع كله، وفي ذلك توجه مبكر إلى ثقافة تربط الذات بالمجتمع بطريقة مسؤولة قائمة على رؤية المصير المشترك والعمل من أجل رفعته.

فقرة اخرى من المقال ذاته
فقرة اخرى من المقال ذاته

ورغم العشرات بل المئات من مؤسسات "المجتمع المدني" في العراق اليوم والتي تقول إنها ملتزمة بالعمل من أجل حقوق المرأة وتعزيز مكانتها قانونيا ودستوريا واجتماعيا، إلا أن كل المؤسسات التي كلفت أموالا طائلة منذ العام 2003 لم تستطع تقف بوجه ظاهرة واحدة تكشف ليس تمييزا ضد النساء بل انتهاكا واسعا لحقوقهن وكرامتهن الانسانية، ألا وهي ظاهرة التحرش التي تتفاقم مع غياب أي رادع قانوني واخلاقي وديني، رغم وجود عدد كبير من رجال الدين المؤثرين، وبينهم من يلعب دور "شرطي السماء"، لكن هذه المرة دون وعي ثقافي وفكري قادر على تقديم ناقد اجتماعي، كالرصافي، يسخر من ذلك الشرطي ويفند ادعاءاته.

*الصور لفقرات من مقال بعنوان "النهضة جامدة" ونشر في مجلة "ليلى" النسوية العراقية 1925، فضلا عن غلاف عددها الأول وهي من الإرشيف الصوري الشخصي للكاتب.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

XS
SM
MD
LG