Accessibility links

Breaking News

رأي: أقليات الشرق.. فرصة اعتراف أمام المستقبل


بقلم سرمد الطائي:

الكثير من المسلمين يشعرون بالقلق على مستقبلهم، ولكن يدرك قليل منهم أن التخلف السياسي والثقافي أكبر تهديد لمجتمعاتهم. إلا أن هذا الشعور لم يكن كافيا للتعامل مع موجات الكراهية ونتائجها وكوارثها التي تهدد خصوصا شعوب الشرق الأوسط، إذ لم تتحول المشاعر إلى تيارات مراجعة ونقد جريء للنظم الأخلاقية العميقة، التي تفرز مواقف سياسية وثقافية تطيل أمد التراجع.

وقد حاول التيار الليبرالي في هذه المنطقة التنبيه إلى أن تنظيم داعش وسياسته مع الأقليات كمثال، ليس مجرد "خطأ إرهابي" أو حالة شاذة، بل هو جرس إنذار يكشف عن انهيارات أخلاقية داخل المجتمع. وحاول أن يثبت أن التنبيه لهذه الانهيارات ليس أمرا كماليا ترفيا، بل شأن حاسم يمكن أن يقدم فرصة ومحاولة تحليل معمق لانعطافة "معاكسة للتاريخ".

فبينما يتجه القرن ٢١ إلى مزيد من التعاون والتواصل والتضامن بين الأمم في ميادين المعرفة والاقتصاد وسياسات الأمن، تنهمك شعوب المنطقة في بناء عوازل وجدران انقسامات إثنومذهبية (قومية ودينية)، في ممارسة تهدد مستقبل اندماج مجتمعاتنا الرافضة للتنوع، بالعالم المتقدم المبني على سياسة التنوع.

ووفق هذا التفسير، يبدو نزوح الأقليات من بلدان المنطقة خطرا على مستقبل الأكثرية نفسها ودليلا على حصول ثغرات جدية في المعنى السياسي للأكثرية المسلمة، التي بدأت تنهمك في الحلول العسكرية المكلفة وتخرج من السباق التنموي حتى مع نظيراتها في العالم الثالث وتهدد بأن تختفي من الخارطة حتى.

وعلى سبيل المثال، فقبل خمسة قرون لم يكن المسيحيون في بلداننا أحرارا فقط، بل حتى الهندوس البعيدون ثقافيا كان لديهم حرية نسبية، فشيدوا المعبد والمدافن قرب ميناء البصرة جنوب العراق. وكان هذا الازدهار النسبي في العلاقات بين المكونات قائما على المصالح الواحدة. وبقيت الأقليات في الغالب تشعر بالأمان، حتى أن الأرمن حين تعرضوا إلى الذبح العثماني خلف هضبة الأناضول، لاذوا بأرض العراق والشام واندمجوا في حواضرها وأصبحوا عراقيين وسوريين.

ولذلك نجحت تلك المجتمعات التقليدية في العثور على موقع داخل التاريخ الحديث ودشنت بعد الحرب العالمية الأولى محاولات تنموية وصناعية ومارست الاصلاح السياسي وجربت النظم البرلمانية، قبل أن يعود التشدد والتعصب الثقافي ثم يصل ذروته في ربع القرن الأخير مع هزائم الجيوش الوطنية وصعود الإسلام السياسي، واقترن ذلك بانتكاسات ثقافية وسياسية عميقة.

بدأت الأكثرية المسلمة منذ نهاية السبعينيات تطالب الأقليات بالموافقة على ثقافة الأغلبية والتقيد بها، كنتيجة لصعود التشدد الديني والإسلام السياسي. ولا شك أن المسلمين ليسوا مثل تنظيم داعش، فلم يطلبوا الجزية ولم يفكروا بسبي بنات المسيحيين. لكن العديد من أبناء المسلمين في بغداد مثلا شكلوا خلال العقد الاخير عصابات باسم الدين وراحوا يضيقون بأشكال مختلفة ودموية أحيانا على المسيحي والأيزيدي (ومعهما العلماني المسلم)، ويستهدفون طريقة حياتهم، خلافا للقانون والدستور وخلافا حتى للجانب المتسامح والعظيم من الحضارة الإسلامية.

ولذلك، يجد الكثير من النقاد أن تنظيم داعش وممارساته الحالية مع الأقليات لا يمثل فرصة لنسيان الخطايا الثقافية للأكثرية وإلقاء الذنب كله على داعش، بل هو "فرصة اعتراف". لقد أصبح من الضروري اعتراف الاكثرية المسلمة بالأخطاء وضرورات المراجعة في تصوراتها حول السياسة وإدارة الصراع وقواعد الاندماج في النظام العالمي. وهذه أول خطوات محاربة التعصب والتطرف. وإلا، فإن المتعصبين ثقافيا لا يمكنهم أن يهزموا داعش بنحو يحقق الاستقرار.

إن هذا الاعتراف بوجود ثغرات أخلاقية لدى الأغلبية الثقافية لا يمثل شفقة على الأقليات، بل شفقة على بلداننا ومجتمعاتنا نفسها التي كانت موطنا للتنوع المذهبي والديني والقومي. وهي اليوم تتجه نحو الجمود والواحدية، وتطرد أزهارها من بستان العالم القديم.

وستظل هذه البلدان مهددة بفقدان تنوعها الثقافي نتيجة استمرار خلل النظام الأخلاقي. وهذا نفسه ما سيجعلها تفقد فرصة التقدم الحضاري وفرصة الاندماج بالعالم المتقدم القائم على التنوع.

أما النقطة الجوهرية التي لم تحظ بما يكفي من نقاش فهي أن المسلمين سيكونون ضحية ثقافية أيضا لهذا التشوه في نظام القيم المعاكس للتاريخ. وحين يكون هناك نظام ثقافي أو اجتماعي يضطهد المسيحيين، فإن عناصر الظلم هذه سرعان ما ستضطهد المسلمين أنفسهم، إن عاجلا أم اجلا، لأن العدالة والحق والمواطنة أمور لا تتجزأ. وحين نسمح بإلغاء الحقوق الثقافية كمبدأ، فإن كل الحقوق ستكون قابلة للإلغاء. لذلك، فإن داعش كتنظيم مَثَّلَ أكبر تهديد للأقليات في العراق والشام، سرعان ما انتقل إلى اضطهاد المسلمين أنفسهم. وهو كتنظيم يعتنق المذهب السني غالبا ما يضطهد السنة أكثر من غيرهم.

لذلك، فإن نسف التوافقات التقليدية داخل المجتمع قد يبدأ كلعبة مثيرة، لكنها لعبة سرعان ما تخرج عن السيطرة ولن يسلم من لهيبها أحد.

نبذة عن الكاتب: سرمد الطائي كاتب عراقي من مواليد البصرة، خريج المركز الدولي للدراسات الاسلامية في ايران - قم. كاتب وصحفي منذ عام ١٩٩٧، عمل في قناة الحرة عراق في بغداد من ٢٠٠٤ إلى عام ٢٠٠٧. معلق سياسي وكاتب عمود "عالم آخر" في جريدة المدى.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

XS
SM
MD
LG