Accessibility links

Breaking News

صحافي ليبي يروي ويلات التعذيب على يد المتطرفين


الأردن – بقلم صالح قشطة:

ليبيا الغارقة بالتناحر السياسي المشحون بفوضى السلاح وانتشار الإرهاب، يدفع المواطن فيها فاتورة ضخمة من حساب أمنه وأمانه، بعدما تعرض تاريخه وحاضره للتشويه وبعدما طمس الإرهاب ملامح مستقبله، واضعاً إياه في رحلة نحو المجهول.

محمد الطرابلسي، اسم مستعار لصحافي ليبي لجأ إلى الأردن، التقاه موقع (إرفع صوتك) وفضّل عدم الكشف عن اسمه الحقيقي حرصاً منه على حياة عائلته التي لا تزال تقيم في ليبيا. يستذكر مرارة الإرهاب الذي أفقده أحلامه وأثر على حياته، بل وقلبها رأساً على عقب، حيث تم اختطافه لعدة مرات من قبل جماعات إرهابية متطرفة، بالتزامن مع صعود الفكر الإسلامي المتشدد في ليبيا، وهو الفكر الذي كان يحارب الطوائف المسلمة الأخرى.

تشويه حياة الناس

يتحدث محمد، والدهشة بادية على ملامحه، عن كيف كانت تلك التنظيمات المتطرفة تمارس فكرها المتطرف على حياة الناس وتشوه ملامح مدينة طرابلس.

"أغلقت (الجماعات المتطرفة) صالونات التجميل النسائية، والمقاهي، والمحال التي تبيع السجائر والتبغ، والعديد من المحال الأخرى، ودمرت العديد من المساجد والمعالم التاريخية الهامة"، يقول محمد، مؤكداً أنهم باتوا في ليبيا يعيشون في دولة داخل الدولة.

اقرأ أيضاً:

نساء يتصدّين للإرهاب… وأخريات في صفوفه

استمعوا إلى عراقيين من كل الطوائف

استمر الإرهاب بالتصاعد إلى أن وصل ذروته في عام 2014 والذي يعتبر الأسوأ في تاريخ ليبيا منذ اندلاع الثورة حسب رأيه، ويستذكر نشاطه في تلك الفترة حيث كان ضمن مجموعة الأصوات التي تطالب بعدم تسييس الإسلام، "وتعرضنا للعديد من المضايقات والمشاكل، وتم اختطافنا وتهديدنا وتعرضنا للتعذيب بشكل كبير".

وعندما تم تنفيذ عملية فجر ليبيا في طرابلس قام محمد بتغطية الأحداث كحرق المطار وضرب العديد من الأحياء السكنية وخزانات النفط، ليتم اختطافه مع طاقم التصوير من قبل إحدى ميليشيات التنظيمات المنتمية لفكر الإخوان والقاعدة.

وبحسب محمد، كانت ميليشيات التنظيم تسيطر على أكبر حي سكني في طرابلس، ولديها أكبر معسكر وعتاد، حيث كانوا قد حولوا حديقة الحيوان الشهيرة في طرابلس إلى معسكر وسجن فيه مئات بل آلاف المعتقلين الذين يرفضون توجه هذا التنظيم.

أشكال مختلفة من التعذيب

ويستذكر مرارة ما تعرض له بصوت يشوبه الألم، راويا أنّه خلال اختطافه، تعرض لأشكال مختلفة من التعذيب، فلم يسلم من التعذيب اللفظي والنفسي والجسدي، حيث كان الضرب المبرح يتم باستخدام مختلف الأدوات والوسائل، حتى الكهرباء المفقودة في بيوت كثير من الليبيين استخدمت في التعذيب.

ويتحدث محمد عن وجود نوع خاص من التعذيب لدى هذه التنظيمات الإرهابية تمارسه تجاه الصحافيين فقط، يتمثل بتشويه وتحطيم أصابع اليد باستخدام المطرقة، ليكون رادعاً ومرهباً لكل من يفكر أن يكشف عبر قلمه حقيقة إرهابهم، ويتابع مشيراً بيده المرتجفة "ها هي يدي حتى اليوم كما تراها لا تزال متأثرة، فقد أصبحت أعاني من رعشة تفقدني السيطرة عليها".

وبحسب محمد فإن إرهابهم وتعذيبهم لم يتوقف لدى هذا الحد، بل شمل كذلك الحرمان من الطعام والنوم. فكانوا ينهالون على من يجدونه نائماً بالضرب أو يسكبون عليه الماء البارد، وهو ما تسبب له ولغيره بانهيارات عصبية متكررة "حتى دخول الحمام لم يكن مسموحاً إلا مرة واحدة يومياً، وهناك من تعرض لأقصى درجات التعذيب كالاغتصاب أمامنا جميعاً".

مرة أخرى...

وبعد إطلاق سراحه اضطر محمد لأن يختفي عن الأنظار وأن يتخلى عن مهنته، حيث عمل بمهن أخرى كسائق تاكسي وعامل بمقهى وفي سوق الخضار، إلى أن قامت إحدى القنوات الفضائية الليبية ذات الفكر الإسلامي المتشدد والمتطرف بالتواصل معه بداية عام 2015 بمحاولة لاستقطابه للعمل في قناتهم، إلا أن محاولة تهربه من العمل معهم كان ثمنها تعرضه لتعذيب جديد ولكمة موجعة في الرأس أفقدته القدرة على الحفاظ على توازنه لفترة طويلة.

وبعد أن تمكن من الإفلات منهم، بدأت أزمته بالانفراج عندما تواصل مع إحدى المنظمات التي ساعدت في تأمين خروجه من ليبيا. توارى محمد عن الأنظار قرابة الشهر حيث كانت فترة التنسيق لخروجه من ليبيا، وخرج من العاصمة طرابلس بالسيارة خوفاً من أن يتم اعتقاله في المطار حيث كانت إحدى التنظيمات الإرهابية تسيطر عليه، وتوجه إلى طبرق التي كانت منها رحلته إلى عمّان.

تأثيرات وعقد نفسية

ويرى محمد أن للإرهاب والفوضى الكثير من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة على الليبيين. "أعتقد أنه ستظهر لدى الأطفال والجيل الجديد العديد من العقد النفسية جراء ما عايشوه من أحداث دموية"، يقول الرجل، مضيفاً أن هذه التنظيمات الإرهابية تستغل الكبت والإحباط الذي يعاني منه الشباب في ليبيا لتسويق فكرهم المتطرف وجذبهم للانضمام لصفوفهم.

مقاوماً للدموع التي تكاد أن تغلبه، يقول محمد بصوت تملؤه الحرقة "الإرهاب والفوضى أفقداني والداي، فوالدي كان مصاباً بمرض بالقلب ولم يحتمل رؤية إحدى الميليشيات تقتحم منزلنا، ووالدتي أصيبت بحالة من الذعر أثناء عملية فجر ليبيا، ودخلت في حالة نفسية وعصبية بسبب التفجيرات المتواصلة لم نتمكن من تشخيصها، وحاولنا علاجها في تونس، إلّا أنها فارقت الحياة خلال أيام قليلة".

الإرهاب، كما يقول محمد، أثر على حياة عائلته بأكملها بل حول مسارها تماماً "الحزن أصبح هو المسيطر على ملامح حياتنا، وتغير المسار المهني لإخوتي بسبب تعرضهم للقمع والمضايقات، ويكفي أن الإرهاب أبعدنا وفرق عائلتنا".

*الصورة: قوات حكومية ليبية تلاحق داعش في سرت/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

XS
SM
MD
LG