Accessibility links

Breaking News

فتاوى الإنترنت: العلمانية ليست معصية... بل كفر!


بقلم حسن عبّاس:

تُقدّم مواقع الفتاوى الأكثر زيارةً على الإنترنت لقرائها معلومات غريبة عن العلمانية. لكن الخطير في الأمر هو أنها تحطّ من قدر كل من وصف نفسه بهذه الصفة وتكفّره تمهيداً لإباحة دمه.

جولة على أبرز مواقع الفتاوى العربية وهي مواقع "إسلام ويب"، "صيد الفوائد"، "طريق الإسلام"، و"الإسلام سؤال وجواب"، تُدخلك إلى قاعدة بيانات واسعة تهدف بشكل عام إلى "شيطنة" العلمانية والعلمانيين.

تسهيلاً على القارئ، لن نحلل مضمون المواد التي يحتويها كل واحد من هذه المواقع الأربعة على حدة، لأن مضامينها متشابهة جداً، بل سنعرض بعض الاتهامات الموجهة للعلمانيين وننسبها إلى "مفتي الإنترنت".

أوصاف وتعريفات

لا يدخل "مفتو الإنترنت" في سجال جدّي مع الأفكار العلمانية ولا يناقشون مبررات طرح البعض لها كما لا يقدّمون أيّة حلول إسلامية للمشاكل التي يعرضها العلمانيون. يفضلون الأحاديث العامة غير الدقيقة ويستسهلون "شيطنة" الآخر.

فالعلمانية برأي "مفتي الإنترنت" هي "حركة فاسدة تهدف إلى فصل الدين عن الدولة والإِكْبَاب على الدنيا والانشغال بشهواتها وملذاتها... ونسيان الدار الآخرة والغفلة عنها".

وهي أيضاً "مذهب كفري محادّ لله ورسوله" ويريد المنتسبون إليه تنظيم الحياة "وفق مناهج أرضية أفرزتها زبالة عقول البشر سواء من الشرق أو الغرب وقد استعملهم الاستعمار الصليبي وجعلهم وكلاء له في بلاد المسلمين بعد خروجه منها، وسلّمهم وسائل الإعلام بأنواعها لينشروا في أبناء المسلمين مناهجهم المنحرفة".

تكفير صريح

يسأل أحد المواطنين "مفتي الإنترنت" السؤال التالي: "مع قراءتي لبعض الجرائد قمت بالتركيز على بعض الكُتَّاب، ورأيت أنه يوجد لديهم أفكار علمانية، فهل يجوز لي بالحكم عليهم بالعلمانية؟". فيجيبه "المفتي" بأن الحكم على شخص بالعلمانية لا يكون إلا للعلماء "لأن تكفير الشخص المعيّن مزلق خطير"، ما يعني أن مَن تثبت عليه "تهمة العلمانية" سيُكفّر ويهدر دمه.

ويقول ممثل آخر لـ"مفتي الإنترنت" إن "مَن استوفى الشروط، وانتفت الموانع في حقه، فلا مانع من تكفيره بعينه، لأن التكفير حكم الله، علينا أن نسقطه على من استحقه، ومنهم من تحققت علمانيته".

كيف تتحقق علمانيته؟ قد يتم ذلك لأنه يعتقد بأن الشريعة الإسلامية لا تصلح لتسيير كل أمور الدنيا، أو أن بعض أحكامها لا تصلح لكل الظروف والأزمان. فهكذا معتقدات هي دليل على "كفره وارتداده عن الإسلام وإن صلىّ وصام وزعم أنه مسلم".

وخلاصة الأمر بحسب أحدهم هي أن "الإسلام والعلمانية طريقان متباينان، ومنهجان متغايران، وطريقان لا يلتقيان ولا تقام بينهم قنطرة اتصال، واختيار أحدهما هو رفض للآخر"، لأن العلمانية "ليست معصية، بل هي كفر بواح، وقبول الكفر والرضا به كفر".

احذر من أن تصبح علمانياً!

بحسب "مفتي الإنترنت"، هنالك طرق عدّة لاعتبار شخصاً ما علمانياً والحكم عليه بالكفر.

ـ قد يعتقد أن إقامة الحدود كقتل القاتل ورجم أو جلد الزاني والشارب أو قطع السارق أو المحارب، "تنافي المرونة" أو "فيها بشاعة وشناعة".

ـ قد يعتقد أن الجهاد "لعصور سابقة ولا يصلح لعصرنا الحاضر، ونحو ذلك مما يزعمه تلامذة الاستعمار وعبدة الغرب من العَلْمانيين المعاصرين وأذنابهم".

ـ قد ينضمّ إلى حزب علماني أو قومي "لأن في الانضمام إليهم إقراراً بضلالهم وكفرهم، وتكثيراً لسوادهم".

ـ قد يرضى بالاكتفاء بأن تنص بعض الدساتير العلمانية على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع ويرضى بأن يرى بعض المحاكم لا تطبّق أحكام الشريعة.

وسيلة للتحريض على الآخر

يجد "مفتو الإنترنت" في صفة العلمانية التي اكتسبت الكثير من المعاني السلبية في العالم العربي وسيلةً للتحريض على كل مَن لا يتشدّد مثلهم في فهم الدين الإسلامي.

فيقول أحدهم رداً على سؤال "عن الصلاة خلف من يدعو إلى الديموقراطية والعلمانية" إن هذا، إذا كان يدعو إلى فصل الدين عن حياة الناس، فـ"لا يصلَّى خلفه" .

لكن الأسوأ هو التخفّي وراء نقد فكرة العلمانية من أجل التحريض على أبناء الأديان الأخرى.

فكتب أحد "مفتي الإنترنت" أنه "كان للنصارى (المسيحيين) العرب المقيمين في بلاد المسلمين دور كبير، وأثر خطير في نقل الفكر العلماني إلى ديار المسلمين، والترويج له، والمساهمة في نشره عن طريق وسائل الإعلام المختلفة".

ويحذّر "مفتٍ" آخر من "خطورة أصحاب العقائد الأخرى، من النصارى وغيرهم الذين يعيشون في بلاد المسلمين" ويتهمهم بأنهم "يكيدون للإسلام وأهله" ويضيف "علينا الحذر كل الحذر من هؤلاء الناس، وأن ننزلهم المنزلة التي أنزلهم الله إليها، فلا نجعل لهم في بلاد المسلمين أدنى نوع من أنواع القيادة والتوجيه، كما ينبغي أن تكون كل وسائل الإعلام والاتصال بالجماهير موصودة الأبواب في وجوههم، حتى لا يبثوا سمومهم بين المسلمين".

هل مَن يدلي بهذه الفتاوى والمقولات دارسٌ للعلمانية وفاهمٌ لها؟ حين يقول أحدهم إن "أول ظهور للعلمانية كان في قوم شعيب كما يقص القرآن"، يمكننا التأكّد من خفّته في التعاطي مع هذه الفكرة.

الصورة: العلمانية "ليست معصية، بل هي كفر بواح، وقبول الكفر والرضا به كفر"/Shutterstock

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

XS
SM
MD
LG