Accessibility links

Breaking News

"لا أخاف من الدبابة، بل من هذا الجندي الذي يقرأ"


مشاركة من صديقة (إرفع صوتك) زينب عباس الخفاجي:

أعشق صوت الفنانة ماجدة الرومي وأغانيها الرنانة التي تذكرني بالزمن الجميل، الزمن الذي كنا فيه أطفالاً بحق. الزمن الذي كنا نتخيل فيه العالم كعالم الـ"سبيس تون"، مختلف ومتنوع وممتع.

هاجرت العراق وأنا طفلة منذ التسعينيات، لم أعش سوى بعض التفاصيل الصغيرة عن حرب بدأت، وحرب انتهت. لم أكن أفهم من يقاتل ضد من، لم أكن أفهم لماذا بدأ أبي يفكر بالهجرة، لم أكن أفهم لماذا الكبار يتحدثون عن ارتفاع بالأسعار وعن منتجات غذائية محدودة. كل ما كنت أفعله هو استغلال وقت الظهيرة عندما ينام الجميع وأتفرج على هايدي التي تسكن الجبال الخضراء الجميلة.

أعود إلى ماجدة الرومي التي صاحبتني، منذ طفولتي، بكلمات أغانيها وصوتها الرائع إلى عالم من خيال. لشغفي بها تابعت سيرة حياتها، وتفاجأت كيف كانت الحرب الأهلية في لبنان تأسرها، وتجعل الحزن في عينيها ينطق مطالبا بالسلام. في حوار قديم لها تحدثت عن اجتياح القوات الإسرائيلية للبنان، وكيف كانت خائفة من النار والحرب والدم. عندما سمعتْ بالدبابات الإسرائيلية تسير في شارعها ألقت نظرة من الشباك لترى صورة أثارت الرعب فيها. لم يكن الرعب الذي شعرت به بسبب ضخامة الدبابة أو بسبب الدم والدمار الذي ستحدثه الدبابة. بل كان منظر الرعب والذهول لرؤية جندي إسرائيلي يمسك كتاباً وهو فوق دبابته!

قالت "يا إلهي أنا لا أخاف من الدبابة، بل أخاف من هذا الجندي الذي يقرأ". تساءلت: ماذا فعلنا منذ منتصف القرن الفائت إلى الآن لكي نواجه فكراً، أو لنصنع فكراً جديداً؟ ماذا فعلنا لنواجه بالعلم من اختاروا أن يكونوا أعداءنا. الصراع هو ليس صراعاً على الأرض، وليس صراعاً ضد الإرهاب، بل هو صراع عقول، صراع حضارات، صراع أفكار.

لم أكن أتخيل أن هذه الرقة والجمال تختزن حزناً عميقاً على ما يحدث في البلدان العربية.

لكنها لفتت انتباهي لشيء كنت أعلمه لكنه كان مغطى تحت فكرة "يجب أن نقاوم الإرهاب عبر اتحادنا"، لكن كيف نتحد وعقولنا وأفكارنا لا يمكن أن تواجه فكرة!

الحرب ضد الإرهاب لا تأتي بشراء الأسلحة المتطورة، ولا باصطفاف أعداد هائلة من الجنود، الحرب من دون عقل هي كمن يعطي مجنوناً سلاحاً. أنت فقط تقتل البشر الذين يحملون فكراً إجرامياً وإرهابياً، أنت لا تقتل الفكرة، لا تغير أيديولوجية عدوك، لا تحارب من يغذون هذا الفكر المتطرف.

كيف نحارب الإرهاب في بلد مثل العراق الذي لم يرَ السلام منذ عشرات السنوات؟ كيف تؤيد الحرب ضد الإرهاب بالشعارات وغيرها، من دون أن تثقف المجتمع وتعلمه أن الحرب ليست فقط بالسلاح، وإنما بالفكر. الحرب ليست فقط بالشعارات الرنانة التي لا تؤسس فكراً صحيحاً، الحرب ليست قتل أكبر عدد ممكن من الإرهابيين.

الإرهاب هو كالخلية التي تنشر مئات والآلاف من الحشود الغاضبة الممتلئة بأطنان من التعصب والتطرف والفهم الخاطئ للدين والحياة.

لا يحارب الإرهاب فقط بمقولة "الإرهاب لادين له"، لأن الذي يقتل باسم الدين لا يفهم هذه المقولة ولا تثير لديه سوى الضحك على من كتبها!

كيف نُندد بالإرهاب وفي داخلنا شيء، حتى لو كان بسيطاً، من الخوف من الاختلاف!

المختلف عنا يثير فينا إما شعوراً بالخوف أو هاجساً يدفعنا إلى عدم التقرب أو الحذر. كيف نقاوم الفكر الإرهابي وتفكيرنا غير مستقل؟ نحن نتبع هذا وذاك ونمشي وراء هذا وذاك. لكن عندما يستقل الفكر ويُغذى بأفكار ومنطق صحيح، عندئذ يمكننا أن نقاوم وأن نحارب وأن ننتصر.

عن الكاتبة: زينب عباس الخفاجي، طالبة عراقية مقيمة في ألمانيا، طالبة ماجستير في سياسة واقتصاد الشرق الأوسط،. ناشطة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وتكتب لعدة مواقع إلكترونية.

لمتابعة الكاتبة على تويتر إضغط هنا، وعلى فيسبوك إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتبة ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

XS
SM
MD
LG