Accessibility links

Breaking News

مكتبات في السجون التونسية لمقاومة التطرّف والإرهاب


بقلم لينا بن مهني:

أثبتت العديد من الدراسات أنّ السجون التونسية أصبحت أرضاً خصبة لنشر الفكر المتطرّف ولاستقطاب الشباب للالتحاق بصفوف الجهاديين. يعود ذلك لعدّة أسباب، يبقى أهمّها عدم انتهاج السلطات المختصة لسياسة فصل وتصنيف المساجين المنصوص عليها في القانون المنظم للسجون التونسية. حيث ورد في فصله السادس ما يلي: "يقع تصنيف المساجين بمجرّد إيداعهم على أساس الجنس والسنّ ونوع الجريمة والحالة الجزائية بحسب إذا كانوا مبتدئين أم عائدين".

فضلاً عن الاكتظاظ الشديد الذي تفوق نسبته، في بعض السجون التونسية، 200 في المئة. هذا بالإضافة إلى تدني الموارد المادية والميزانية المخصصة لدوائر الإصلاح والسجون في تونس.

وعادة ما يكون هذا الخلط سبباً في تفشي ظاهرة استقطاب الشباب من قبل الحركات التكفيرية داخل الزنزانات. فخلط المعتقلين المتهمين بالإرهاب مع سجناء الحق العام، يفسح المجال للفئة الأولى للتقرب من المتهمين بجرائم جنائية ودمغجتهم، مستغلين هشاشة نفسيتهم وحالة اليأس والقنوط التي يعيشونها، بعد أن سُلبت منهم حريتهم وأغلقت الأبواب بوجوههم.

هذا بالإضافة إلى غياب التأطير والأنشطة التثقيفية والتأهيلية، وتواصل بعض الممارسات الانتقامية الوحشية التي تلعب دوراً كبيراً في خلق النقمة والكره والتطرف في نفسية بعض المساجين.

ولعلّ قصة مغني الراب إمينو خير دليل على ذلك. فقد قضى هذا الأخير ثمانية شهور في السجن بتهمة استهلاك القنب الهندي قبل أن يطالع جمهوره من التونسيين بفيديو من مدينة الرقة، معلناً انضمامه إلى صفوف الجهاديين وتنظيم "الدولة الإسلامية" هناك.

ورغم أنّ الأرقام المحددة لعدد المساجين الذين تم استقطابهم من قبل التنظيمات الجهادية التكفيرية تبقى غير معلومة، ولكنّ التقديرات تتحدّث عن نسبة 30 أو حتى 40 في المئة وهو رقم مرتفع جداً ومخيف بالنسبة لمؤسسات تبقى مهمتها الأساسية هي إصلاح المساجين وإعادة دمجهم في المجتمع، بعد قضاء مدة عقوبتهم.

وخلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2015، سنحت لي الفرصة للوقوف على بعضٍ من هذه الحقيقة بعد زيارتي لبعض السجون التونسية في إطار مجموعة عروض سينمائية، تمّ تنظيمها لفائدة المساجين بصفة مشتركة بين المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب وإدارة أيام قرطاج السينمائية والإدارة العامة للسجون والإصلاح .

إذ كنت في طريقي إلى إحدى القاعات التي خصصت لهذا الغرض في أحد السجون المتاخمة للعاصمة عندما طالعتني مكتبة. فقادني حب الاطلاع هناك. وكانت لي فرصة لتبادل أطراف الحديث مع المسؤول عنها، والاطلاع على بعض من محتوياتها. ولكنني صعقت لملاحظتي وجود بعض الكتب ذات التوّجه الديني المتطرّف.

وفي نفس اليوم كان لي حديث مع والدي، وهو سجين سياسي سابق ويعمل الآن على متابعة ظروف السجون والسجناء من خلال انخراطه في المجتمع المدني، وتوصلنا إلى فكرة وجوب ادخال كتب ترفيهية وتثقيفية إلى بعض السجون التونسية، كمحاولة منا للمساعدة في التصدي لظاهرة الاستقطاب الموجودة هناك.

وبداية فكرنا في القيام بذلك بصفة فردية، وكمجهود شخصي، عن طريق التبرّع ببعض من كتبنا الخاصة لفائدة بعض السجون. لكن المزيد من البحث والتمحيص في الأمر أقنعنا بضرورة توسيع العملية إلى مبادرة وطنية تشمل كل الراغبين في الانضمام إليها.

فالقانون التونسي المنظم للسجون ينص في فصله 19 على حقّ السجين في "الحصول على أدوات الكتابة وكتب المطالعة والمجلات والصحف اليومية عن طريق إدارة السجن، ووفقاً للتراتيب الجاري العمل بها. ويتمّ إيجاد مكتبة بكلّ سجن تحتوي على الكتب والمجلات المعدة للمطالعة".

ولكنّ المعمول به على أرض الواقع مختلف تماماً. فقليلة هي السجون التي بها مكتبة، وإن وجدت فهي مهملة ومنسية ونادراً ما تُغذّى بالكتب. ويعود ذلك بالأساس إلى انعدام المخصصات المادية المرصودة لهذا الغرض.

ومن هنا كانت فكرة إطلاق حملة جمع كتب لفائدة السجون التونسية. وكانت المشاورات مع المكتب التونسي للمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب حول إمكانية التعاون، بحكم خبرتهم في العمل على متابعة الظروف السجنية، ووجود اتفاقية بينهم وبين الإدارة العامة للسجون والإصلاح من شأنها أن تيسر عملية توزيع الكتب على السجون. ولم نجد صعوبة في اقناعهم بذلك، بل أبدوا حماسة كبيرة للفكرة.

وكانت الانطلاقة من شبكات التواصل الاجتماعي، حيث قمنا بإعلان انطلاق الحملة والتعريف بها يوم 11 شباط/فبراير 2016. وبدأ تفاعل الناس معنا منذ الدقائق الأولى لها. حيث وردت إلينا مكالمات هاتفية من كامل تراب الجمهورية التونسية ومن مختلف شرائح المجتمع، عبّر أصحابها من خلالها عن تشجيعهم لنا، وإعجابهم بالفكرة، ورغبتهم في معاضدة جهودنا وتقديم الكتب للحملة.

كما دعمنا العديد من الصحفيين من خلال الكتابة والحديث عنها.

واليوم، وبعد مرور شهر ونيف على انطلاق المبادرة، قمنا بتجميع ما يزيد عن 6000 كتاب بلغات مختلفة. وبعد أن كان الانطلاق بنقطة تجميع واحد بمقر المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، بلغنا اليوم 12 نقطة تجميع تشمل العاصمة وعدة مناطق داخلية.

كما وصلتنا كتب حتى من خارج تراب الوطن. ونحن الآن نطمح لجمع 15 ألف كتاب من شأنها أن تغطي الاحتياجات الأولية ل27 سجناً ومركز إصلاح.

وتبقى حملتنا مفتوحة حتى نوّفر العدد اللازم من الكتب لفائدة نزلاء السجون في تونس. وتمثل هذه المبادرة بالنسبة لنا الخطوة الأولى في مجموعة من المبادرات الثقافية التي نرمي إلى اطلاقها للمساهمة في المجهودات الوطنية للحد من الارهاب والتطرف، ولترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في تونس.

عن الكاتبة: لينا بن مهني، ناشطة حقوقية ومدونة وصحافية من تونس. عُرفت بمعارضتها لسياسة حجب المواقع على شبكة الانترنت تحت نظام بن علي. ساهمت في تغطية أحداث الثورة في جهات مختلفة من تونس. وهي الآن تواصل الكتابة على التدوينة ونشاطها الحقوقي. ألفت كتاباً ترجم إلى ثماني لغات، وتحصلت على عدة جوائز من بينها: البوبز، وجائزة الصحافة العالمية لصحيفة المندو الإسبانية، وجائزة الصحافة العالمية بـ إسكيا – إيطاليا، وجائزة السلام العالمي شان ماك برايد. تم ترشيحها لنيل جائزة نوبل للسلام للعام 2011.

لمتابعة بن مهني على تويتر اضغط هنا. وعلى فيسبوك اضغط هنا.

XS
SM
MD
LG