Accessibility links

Breaking News

نصر بغداد.. كيف يصمم سياسة خارجية جديدة؟


بقلم سرمد الطائي:

هذه مقالة ترسم التساؤلات حتى لو جاءت في سياق الأماني، لأن الحلم باستقرار راسخ هو فعل مشروع في كل زمن ومكان.

يحظى العراق بدعم كبير في معركته ضد داعش. ولعلها معركة ستنتهي العام المقبل ميدانيا وتستمر تداعياتها سياسيا. ولكن هل يمكن أن يحتفظ العراقيون بهذا التأييد العالمي المؤثر بعد أن تسكت المدافع، ليصبحوا شريكا سياسيا دوليا مسؤولا في حفظ استقرار المنطقة، ويحصلوا على دعم سياسي شامل مثل الدعم العسكري الحالي، ليتعاملوا مع تحدياتهم في الشرق الأوسط الذي يبدو أن حرائقه ستتواصل حتى حين؟

إنها مهمة جسيمة، أن تحاول صنع الاستقرار في منطقة تكبر أهوالها وتتطلب وقتا للتهدئة. لكن النجاح في مواجهة داعش عسكريا يمكنه أن يدفع العراقيين إلى احترام تضحيات شهدائهم. وهذا يكون عبر صناعة الاستقرار الحقيقي. وهو ما لن يحصل بدون كسب الدعم الدولي لإنتاج سياسة خارجية جديدة، مهمتها أن توظف التهدئة الداخلية المفترضة مع أهل نينوى، وتحويلها إلى عامل يجد أثره في تهدئة خارجية من هضبة الأناضول حتى مضيق هرمز وأطراف باب المندب.

ولعل الكثيرين يشعرون أن الانتصار على داعش لن يعني استقرارا، لأن حلب وصنعاء لا تزالان تحترقان. لكن هل يمكن أن نلمح فرصة مهما كانت تبدو صعبة لإثبات أن الملف العراقي مختلف عن غيره بسبب "شرعية النظام بحدها الأدنى" ووضع بغداد الخاص، ووجود كردستان، والحضور الدولي الإيجابي، حيث يمكن لذلك أن يرشح العراق شريكا في صناعة الاستقرار، بدل أن يصبح ضحية لفوضى فتن دينية تجتاح المنطقة؟

إن الانتصار العسكري الكبير يستدعي سياسة خارجية جديدة تقتنص مجموعة من الفرص. وقد نادى الكثير من العراقيين طوال أعوام بضرورة التواصل المكثف مع تيارات وأجنحة معتدلة في محيطنا الإقليمي. فإيران لديها تيار إصلاحي يؤمن بالدبلوماسية مثلما في تركيا والخليج. لكن الحوار مع هذه التيارات بقي مهملا جدا طوال سنوات.

ومن الواضح أنه لا يمكن أن تستمر بغداد بإدارة ظهرها لتركيا والخليج والاكتفاء بعلاقة تحيطها الشكوك مع إيران، ثم الاكتفاء بالقوى الدولية التي يمكن أن تتخلى عن العراق إذا بقي يرتكب أخطاءً في سياساته الخارجية.

تعالوا نلاحظ فرصا عديدة، إذ يمكن أولاً إحداث تعديل مؤثر في اللهجة والمواقف تخفف التوتر وتقدم عرضا جديدا للعلاقات. وفي موازاة هذا سيكون ممكنا تصميم رسائل مفهومة للحلفاء الدوليين كي يدعموا لدبلوماسية نزع التوتر التي لا بد أن ينتهجها العراق أثناء صوغ علاقة أخرى مع منطقة تبدو اليوم بلا نظام إقليمي وتفتقر لقواعد لعبة معقولة.

ويمتلك العراق ثانياً عمقه الاجتماعي والثقافي في المحيط الإقليمي، خصوصا في الخليج والهلال الخصيب، وشراكات تجارية قديمة وروابط عائلية عريقة. وقد يمكن لدبلوماسية ناشطة وذكية أن تستثمر ذلك للمساهمة في بناء جماعة ضغط وراء الحدود مؤثرة في مجتمعاتها، تبدأ بتخفيف سوء الفهم بين النظام السياسي العراقي والمحيط من حوله.

وفي مستوى ثالث، فإن البدء بتفاهم داخلي أولي مفترض من شأنه أن يجعل بغداد قادرة على الاستعانة بالروابط والشراكات التي يمتلكها الأكراد وممثلو القوى السنية مع العالم الإسلامي، والنفوذ المعنوي لكل المكونات المسيحية والأيزيدية والتركمانية وغيرها في المحافل الدولية للضغط بهدف تخفيف مستويات التوتر تمهيداً للحوار.

إن منح المكونات السياسية دورا جديا في إصلاح وتطوير السياسة الخارجية، قد يشجع مختلف الأطراف العراقية على أن تدرك أهمية توحيد السياسة الخاصة بها مع الرؤى التي تتبناها بغداد. وإذا نجح العراقيون في الظهور كطرف يتبنى مفهوما متقاربا للمصالح الوطنية، فإن البلاد ربما تحظى باحترام متواصل أمام الدنيا كالاحترام الذي حصلت عليه بفضل تضحيات المحاربين. كما أن الجيران المتوترين والمرتبكين سيكونون أمام ألوان من الحرج والضغوط. وستساعدهم بغداد على إحداث تغيير تدريجي في تعاملهم مع المسألة العراقية. يومها سيظهر نصر واقعي على داعش ويجري تقديم بديل سياسي مشجع يحتاجه العالم كله.

نبذة عن الكاتب: سرمد الطائي، كاتب عراقي من مواليد البصرة، خريج المركز الدولي للدراسات الاسلامية في ايران – قم. كاتب وصحفي منذ عام 1997، عمل في قناة الحرة عراق في بغداد من 2004 إلى عام 2007. معلق سياسي وكاتب عمود “عالم آخر” في جريدة المدى.

لمتابعة سرمد على فيسبوك إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

XS
SM
MD
LG