Accessibility links

Breaking News

هل تصلح المدنية ما أفسده الدهر؟


بقلم عبد الرحمن يوسف:

على مدى قرابة 40 عاماً مضت، وحتى قبل الربيع العربي بأسابيع قليلة، كانت الأحاديث المتداولة والنقاشات المطروحة بين الفرقاء السياسيين في مصر حول أنسب الطرق وأفضلها للانطلاق نحو التقدم تتركز على ثنائية فكرية هي الإسلاموية والعلمانية كمرجعية حاكمة وشاملة للمجتمع. ثنائية خلفت وراءها ميراثاً كبيراً من الخصومة والشقاق على أسس استقطابية بين نخب المجتمع، وهو ما أسس أجيالاً لا ترى سوى هذين المفهومين كسبيل وحيد للتعاطي مع شؤون الدولة والحياة.

إلا أن عند قدوم ثورات الربيع العربي اختفى هذا النزاع مؤقتاً ولفترة وجيزة على وقع هتافات ميادين الحرية التي نَحّت هذه المفاهيم تحت شعاراتها الرئيسية: "عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية"، وهي هتافات كما ظهر فيها لا تنطلق من داخل أيدولوجيا محددة متصلبة، ولا تمس مسألة الهوية بل تمس مطالب مدنية رئيسية تحتاجها الغالبية العظمى من المواطنين.

وهو ما ساهم في انضمام قطاعات عريضة من الشعب إلى حالة الحراك والانتفاضة حينها فتحولت إلى ما يشبه الثورة بسبب صبغة الحراك المدنية، فلا هو حراك إسلاموي متمترس حول فكرة الدين والتدين فقط، ولا هو علماني يتحرج من وجود الدين في المجال العام وينظر إليه بريبة، وهو ما تجلى في أن يكون للدين حضوره وقت حاجته دون تغول طاغٍ ولا استبعاد يُخلّ بأهميته في المجتمع، وذلك طوال مدة الـ18 يوماً، شهدت هتافات مدنية غير استقطابية وتعاوناً على إدارة مجال عام متوازن.

لكن سرعان ما عادت هذه الثنائية مرة أخرى على خلفية الميراث السابق وعدم وجود حسم لقضية الهوية في المجتمع أو بناء إجماع حولها، وهو ما أججه استمرار حضور نفس النخب على الساحة الإعلامية ولو بنسب متفاوتة، بما جعلها تدير أزمة الهوية بالأدوات السابقة، وهو أمر استثمرت فيه قوى الثورة المضادة بأدواتها الإعلامية.

ومرة أخرى، انقسم الناس بفعل خلفية استقطابات متعددة، في القلب منها الاستقطاب الإسلاموي/العلماني، وهو ما ساهم بالتدرج في إيجاد قبول عام بعدم احترام الإجراءات المدنية والتي يقع في صلبها الديموقراطية الإجرائية ونتائجها والقبول بطغيان مؤسسات القوة الأمنية على مؤسسات الحكم الأخرى، وهو ما أفقد المجتمع حيوية وتفاعلاً ناتجاً عن توازن القوى فيه بما لا يجعل أحدها يطغى على الآخر، وبالتالي اكتشف الكثيرون أنه لا العلمانية الخالصة حققت ما يبغون ولا الإسلاموية حققت النجاح المنشود، بل سقط المجتمع صريعاً لهذا الصراع الصفري.

لذا فليس بالضرورة أن تكون العلمانية ضامنة للمدنية ولا الإسلاموية ضامنة لها أيضاً، فالمدنية برأيي هي إجراءات تضمن للأغلبية الانتخابية الحق في أخذ فرصتها كاملة في الحكم مع تقييدها بعدم التغول على الأقليات الانتخابية الأخرى، فهي تضع سلامة الإجراءات ودقتها وآليات الرقابة والمحاسبة وتوزيع الأدوار في صلب أهدافها، كحكم صارم بين الأطراف، وهو ما يمتد أيضا للعلاقات المدنية – العسكرية، حيث يكون لأصحاب السلاح والقوة النارية مجال عملهم، ويكون لبقية الشعب مجال عملهم وتنافسهم، فلا يتماهيان ولا يتغول طرف على الآخر.

إن احترام المدنية يخلق البيئة الصحية، وهو ما يضمن الحد الأدنى من رفع المظالم ويوفر الحد الأدنى من وضوح الرؤية الذي يخلق مجتمعاً متوازناً تكون فيه السياسة حاضرة ومجالاً لتفريغ طاقات الشباب وتوجيه أفكارهم في تنافس يعلمون أن ثمة طائلاً من ورائه، ومجتمع مدني يحتوي كل الأطراف ويؤسس لتنافس لا يقوم على قوة السلاح ولا يقوم على الاستقطاب وتقسيم الناس إلى طرفين متصارعين في حين أن ثمة مساحات أخرى في المنتصف لا تخضع لهذا التقسيم القسري القائم على "الإسلاموي- العلماني"، ويمكن وضعها تحت وصف "مدني" كوصف شامل وجامع، يهتم في جوهره بتحديد الاختصاص مع ضمان حرية المرجعية لكل فرد أو مجموعة، دون أن تخشى منها المجموعة الأخرى نظراً لوجود ضامن "مدني" يفصل بينهما.

إننا بحاجة إلى تأسيس طريق ثالث تكون المدنية عنوانه، ربما يمثل العلمانية الجزئية أو التدين العقلاني أو كليهما معاً، طريق وسط يستطيع أن يحتوي هذا التنوع الغني الذي يزخر به المجتمع المصري والمجتمعات العربية، بحيث لا يخاصم نظامها العام وارتباط الغالبية فيه بفكرة "الدين"، ولا يجعل المتدينين داخله يسيطرون على النظام العام فيه بحيث يقلصوا من حرية من يخالفهم في قناعاتهم، طريق يقوم على الاختصاص وفصل الدعوي عن السياسي دون إقصاء الدين من حياة الناس الإجتماعية.

وأعتقد أن عودة فكرة "المدنية" ستكسر صعود خطاب الهوية الاستقطابي وستعيد السياسة مرة أخرى للملعب، عبر أدوات ثورية أو أدوات سياسية غير مهادنة لأي طرف يرغب في تأصيل السلطة الأبوية، دينية أو علمانية، فأهم شيء يجب أن يتعلمه الناس من درس كانون الثاني/يناير، أن أي فعل مدني يجب الحفاظ عليه ولا يجب الإنقلاب عليه، سواء في السياسة أو الاجتماع أو الثقافة.

عن الكاتب: عبد الرحمن يوسف، صحافي مصري مستقل مقيم في العاصمة الأميركية واشنطن، يركّز على القضايا المتعلقة بشؤون التيارات الدينية والشؤون السياسية. ترشح للقائمة القصيرة لجائرة دبي للصحافة العربية، فئة الشباب، عام 2013. ويقوم بتغطية الأحداث السياسية والنزاعات والصراعات ميدانيا منذ عام 2006. وقام بالتغطية الصحافية لعدد من الأحداث في هولندا وسويسرا وفلسطين والكويت.

لمتابعة الكاتب على تويتر اضغط هنا. وعلى فيسبوك اضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

XS
SM
MD
LG