Accessibility links

تحدي التقاسم العادل للموارد في الدول العربية


جانب من مصفاة نفط قرب مدينة بدرة جنوب بغداد

صار مطلب الفدرالية كحل للانقسامات الطائفية والجهوية في الدول العربية من الوصفات التي يُجمع عليها كثيرون.

بقلم حسن عباس:

صار مطلب الفدرالية كحل للانقسامات الطائفية والجهوية في الدول العربية من الوصفات التي يُجمع عليها كثيرون. لكن أمام الفدرالية تحدّي تقاسم ثروات البلاد بشكل عادل، خاصةً أن توزيعها الجغرافي لا ينسجم مع توزّع السكّان والمجموعات.

وقال الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، لموقع (إرفع صوتك) إنه "لا بد أن تكون الثروات الهامة وبشكل خاص الثروة النفطية مسيطر عليها مركزياً ويُعاد ضخها وفقاً للاحتياجات السكانية ولا تنفرد بها مجموعة أو منطقة معيّنة. فأساس الفدرالية تحقيق المزيد من التنوّع والمشاركة وليس الاستئثار".

عدالة توزيع الثروة تهدئ المخاوف

في السنوات الأخيرة، ثارت أزمة ديبلوماسية تجاوزت حدود العراق بين حكومة إقليم كردستان العراق وبين الحكومة المركزية.

فقد طالب الإقليم الذي ينال 17 في المئة من أرباح النفط العراقي بحسب اتفاقه مع الحكومة، بتبنّي سياسة نفطية لامركزية، وعمل على تجاوز الحكومة في أمرين: التعاقد مباشرة مع شركات نفطية للتنقيب عن النفط داخل حدوده، وتصدير النفط عبر تركيا مباشرة من دون علم الحكومة.

وقد أثار ذلك أزمة حادة بين بغداد وأربيل ودخلت تركيا على الخط من باب شقاق العراقيين، إذ قبلت بأن يصدّر الإقليم الحبيس عبر موانئها شحنات نفط، في مرحلة شهدت أساساً توتراً بين أنقرة وبغداد على خلفية اعتراض أنقرة على مسار الأمور السياسية في العراق.

لكن مؤخراً، خفتت حدّة الأزمة لأن أربيل لم تعد ترى جدوى من قراراتها المتفرّدة نظراً لانخفاض سعر النفط، وصارت تقبل بمقايضة بغداد تسليمها إنتاجها من النفط مقابل تأمين الأخيرة رواتب موظّفي الإقليم.

ويبقى أساس المشكلة في عدم وضوح الدستور العراقي حول كيفية تقاسم موارد النفط وعدم نجاح العراقيين في الاتفاق على قانون يوضح بدقة هذه المسائل ويرضي كل الأطراف.

ويفاقم الأزمة عدم اتفاق العراقيين على تحديد حدود مناطق إقليم كردستان العراق، وبالأخص على مصير كركوك الخاضعة لإدارة بغداد والتي تطالب بها أربيل ولطالما وضعت إنتاجها النفطي ضمن حساباتها الاستراتيجية.

وفي العراق، تتركّز معظم الثروة النفطية في مناطق الشيعة ما يعني أن أي نظام فدرالي يسمح للأقاليم بالاستئثار بالموارد الموجودة فيها لن يرضي السنّة، كما أن أي محاولة تفرّد من قبل أكراد العراق ستتطلّب التقرب من أنقرة على حساب بغداد، ما يعني استدعاءً للخارج للتدخل في مشاكل الداخل.

وبرأي الدكتور العراقي ناجح العبيدي، فإن "الفدرالية تعني في المقام الأول تقاسماً عادلاً للسلطة والثروة بين المناطق المختلفة. ومن هنا فهي تشكل صمام أمان للحيلولة دون عودة النظام الشمولي الذي ينشأ عادة نتيجة الاستئثار بعناصر القوة السياسية والاقتصادية".

وبرأيه "لا بد من الاتفاق على تقاسم عادل للثروة يساهم أيضا في تهدئة المخاوف من استئثار المناطق المنتجة بكل (الكعكة) النفطية".

التقسيم الذي أنتج حرباً

خلال الحوار الوطني بين الأحزاب اليمنية، اتفق الجميع على مبدأ الدولة الاتحادية، لتفادي تفرّد الحكومة المركزية بمقدرات البلاد واستخدامها في بناء شبكات زبائنية. "فقد عملت مراكز القوى المهيمنة على العاصمة على تعطيل بناء مؤسسات الدولة لصالح بناء ونفوذ مؤسسة القبيلة في اليمن، حتى أصبحت مفردة (شيخ) تعني الحصول على الامتيازات والنفوذ والسلاح، وعقود المناقصات والتجارة"، بحسب الكاتب اليمني عارف أبو حاتم.

ولكن اقتراح اللجنة التي كلّفها مؤتمر الحوار الوطني بإعداد تصوّر لتقسيم الأقاليم اليمنية أعاد إنتاج الأزمة اليمنية وأودى إلى الحرب الحالية. فقد قسّمت اللجنة اليمن إلى ستة أقاليم، اثنان في الجنوب وأربعة في الشمال.

ووضع هذا التصوّر مناطق نفوذ الحوثيين ضمن إقليم أزال، حارماً إيّاهم من امتلاك منفذ بحري عبر محافظة حجة ومبعداً نفوذهم عن المناطق الغنية بالنفط في محافظة الجوف.

وكان هذا سبباً لرفض الحوثيين تلك المخرجات. وقال ممثل الحوثيين في الحوار الوطني محمد البخيتي أن الصيغة التي أعلنها الرئيس عبد ربه منصور هادي ستقسم اليمن إلى "أغنياء وفقراء".

واعتبر أن "هذا التقسيم أتى بصعدة (المحافظة التي يتركّز فيها وجود الحوثيين) مع عمران وذمار والمفترض أن تكون صعدة أقرب ثقافياً وحدودياً واجتماعياً من حجة والجوف".

ويحذّر أبو حاتم من فهم الفدرالية على أساس أن الأقاليم ذات الثروات الطبيعية هي مَن ستملك حق توقيع العقود مع الشركات الأجنبية، وستحصل على العوائد والفوائد، وستعطي للحكومة الفيدرالية نسبة بسيطة.

وكتب "بهذا المفهوم يمكن لإقليم حضرموت مثلاً أن يقرر الانفصال خلال عقدين، حيث وفرة النفط وميناء المكلا التجاري، وشريط ساحلي، وجزيرة سقطرى الحائزة على المركز الأول عالمياً في قائمة أفضل أماكن الطبيعة النادرة".

ثروة كبيرة وسكّان قليلون

في ليبيا، لطالما طُرحت فكرة تحويل النظام إلى فدرالي يضمّ ثلاثة أقاليم هي برقة في الشرق، وطرابلس في الغرب، وفزان في الجنوب. والمتابع لخارطة توزّع السلطة حالياً في ليبيا سينتبه بسرعة إلى أن القسمة بين الشرق والغرب بادية للعيان. فالحكومة المعترف بها دولياً لم تنجح في بسط سلطتها إلا في الغرب بعيداً عن الشرق حيث البرلمان المعترف به دولياً والرجل القوي الجنرال خليفة حفتر.

ويعقّد الأمر في ليبيا واقع التفاوت بين التوزيع الجغرافي والسكاني وبين توزيع الثروة. فقرابة 80 في المئة من السكان يتركزون في المناطق الغربية والجنوبية، بينما يضم الشرق الجزء الأكبر من الثروة النفطية. ومن البديهي أن أيّة محاولة لاستئثار الشرق بموارده ستطيل أمد الحرب.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

XS
SM
MD
LG