Accessibility links

Breaking News

امرأة عزباء وحيدة في أميركا.. كيف تبدو الحياة؟


بدأت تركيب قطع خشبية وفق الرسومات الموجودة داخل كتيّب صغيرٍ مرفقٍ بها

بقلم رحمة حجة

في اليوم الذي حملتُ مفكّاً وبراغٍ وبدأت تركيب قطع خشبية وفق الرسومات الموجودة داخل كتيّب صغيرٍ مرفقٍ بها، لأصل إلى النتيجة النهائية وهي خزانة مكتبية، أدركتُ أنني بدأت الرحلة الحقيقية في العيش وحدي. لكن في ما بعد صارت الحياة أكثر من تركيب خزانة خشبية أو سريرٍ من حديد.

ساعدني أًصدقاءً في استئجار شقة وشراء أثاث وأغراضٍ منزلية. كما ساعدني أصدقاءٌ آخرون في إرشادي لأهم متاجر الخضار والفواكه واللحوم والمواد التموينية الأخرى الشرقية، قريباً من شقتي في مدينة سبرينغفيلد (فرجينيا). ومنحوني بعض خبرتهم التي اكتسبوها خلال سنوات إقامتهم في أميركا. ولم أتوانَ يوماً عن السؤال وما زلتُ أسأل. فالإجابات وإن لم تحسم قرارك، فإنها تساعدك في الوصول إليه.

الإنترنت أيضاً كان مساعداً رائعاً، كالوصول لمحال متخصصة، مثل تصليح الإلكترونيات، أو إلى مطاعم ووجهات سياحية وعيادات طبية، أو إلى خيارات من شقق ووسائل نقل محيلة وشركات طيران بين الولايات، وفنادق أو خدمات فندقية... إلخ.

أقارن بين حياتي السابقة بين مدينتي جنين ورام الله في فلسطين، وحياتي هنا. هناك ابتعدت فترات متقطعة عن بيت العائلة، لكن دائماً كان أحدٌ يتحملّ مسؤولية الأشياء الروتينية مثل الفواتير وأجرة المنزل حتى الطبخ. وغالباً لا أتسوّق وحدي، إذ لا بُدّ من صديقة أو أخت أو حتى زميلة تقف خارج غرفة تبديل الثياب تنتظرني لأخرج وأسألها "ما رأيك"؟ لا كي أسمع نصيحتها، بل لأنني اعتدت هذا السؤال. وفي البيت هناك دائماً أختٌ وأمٌ وأخٌ يعرفون أكثر مما أعرف وحاضرون دائماً لاستلام مهمات عني، كإصلاح سخّان الماء الذي يعمل بالغاز مثلاً.

هذا لا يعني أنني كنتُ متواكلة دائماً وأنتظر قرار غيري حول أمور متعلقة بحياتي، إنما كانت فرص اكتشاف نفسي لقدراتي واختياراتي قليلة.

هنا لا أحد ينتظرني خلف الباب ليقول "هذا الفستان جميل.. بشع.. يُظهرك بدينة..". أنا والمرآة فقط، وقراري. البيت كله لي وأنا فيه وحدي. أختار وقت نومي واستيقاظي بناءً على حاجة جسدي أو بمنبّه أوقات العمل.. أقوم بدفع جميع الفواتير، أختار الطعام الذي يجب أن يبقى في ثلاجتي، والآخر الذي سأعدّه أو أتعلّم إعداده قريباً. أتعلّم إصلاح الأشياء المتعطلة في الشقة حتى لو أفسدتها أكثر. لأن الهدف الأول والأخير إصلاحها، ويجب أن يتم. أرى نتائج اختياراتي، فتسعدني الناجحة منها، والفاشلة تمنحني التجربة.

الحياة كامرأة وحيدة عزباء في أميركا، لا تختلف إلى حدٍ كبير عنها في مدينة رام الله الفلسطينية، بعيداً عن عائلتي في جنين. يعني أنك عرضة لتلك النظرة التي تجعلهم يظنوك ستفعل كل ما لا يريدك المجتمع فعله في ظلّه. وبالنسبة للكثير من الرجال، متزوجين أو غير متزوجين، أنتِ كامرأة بمثابة صيدٍ سهل، ومُتاح.

هذا كان بادياً من ملامح بعض السائقين في تكسيات "أوبر" للأجرة، وأكثريتهم من العرب والمسلمين، الذين يرددون حين سؤالهم الأول "تعيشين مع عائلتك أو بمفردك". ويُبدون "تعاطفاً" أبلهاً حين تكون الثانية إجابتك. ويبدأون في سرد جوانب معاناة لتلك الحياة، لأخبرهم أن أسوأ الخيارات في هذه البلاد هي العائلة، بالنسبة لتكاليف العيش من طعام وشراب ومدارس وأجور بيت وضرائب وخدمات صحية.... إلخ. ثم بدأت أدرك أن أفضل الإجابات التي تُنهي هذه الحماقات هي "نعم أعيش مع عائلتي".

التعليقات

XS
SM
MD
LG