Accessibility links

Breaking News

"ديموقراطيتهم"... واستشراقنا المعكوس


مدونات إرفع صوتك - حسين الوادعي

بقلم حسين الوادعي:

لم يتوقف الجدل بعد حول ملاءمة الديموقراطية للعالم العربي. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الديموقراطية رُفضت طوال النصف الثاني للقرن العشرين من قبل أغلب التيارت الفكرية والسياسية العربية في السلطة والمعارضة.

رفضها القوميون بحجة أسبقية الوحدة على الحرية. ورفضها الاشتراكيون والماركسيون بحجة أولوية الديموقراطية الاجتماعية على الديموقراطية السياسية. ورفضها الإسلاميون بحجة إلهية الشورى الإسلامية وبَشرية الديموقراطية الغربية. وليس غريبا أن بعض الليبراليين رفضها أيضا بحثا عن المستبد العادل الذي يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ويبني دولة النظام والقانون والحريات!

بعد انهيار المعسكر الشيوعي وسقوط جدار برلين، صارت الديموقراطية حديث كل مجلس وشعار كل الحكومات والمعارضات العربية، وإن كان ذلك بسبب الضغوظ الخارجية أكثر منه بسبب تغير القناعات الداخلية.

لكن ظلت القوى السياسية العربية تتبنى خطابا مزدوجا: خطاب للجماهير ووسائل الإعلام يعلن الديموقراطية ضرورةً للنهضة والاقتصاد والاستقرار. وخطاب داخلي يتداولونه سرا في مجالسهم الخاصة خلاصته أن الديموقراطية خطرة لأن العرب "ليسوا جاهزين بعد للديموقراطية".

وظلت النخب السياسية والفكرية تتبنى نظرية "الاشتراطات المسبقة" التي ترى أن الديموقراطية لن تتحقق في أي مجتمع إلا إذا تحققت الشروط التاريخية التي ظهرت في بيئتها الأصلية الأوربية: ثقافة مدنية، واقتصاد قوي، وبرجوازية متطورة وصلبة، وفصل واضح بين الدين والسياسة. وبسبب خصوصية المنطقة العربية فإن هذه الاشتراطات لن تتحقق قريبا وربما لن تتحقق أبدا. والنتيجة المنطقية لذلك أن الديموقراطية العربية بعيدة أو مستحيلة.

وجهة النظر هذه هي للأسف نفس وجهة نظر المدرسة الاستشراقية التي ترى أن "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا".

أحد تناقضات الثقافة العربية المعاصرة أنها رغم عدائها للاستشراق تتبنى نفس طروحاته نسخا ولصقا دون أن تعي ذلك. فقد قام الاستشراق على عقيدة "الطبائع الثابتة" و"الهويات الثابتة" للشعوب. ومن وجهة نظره فالوطن العربي له هويته الثابتة في الدين والمذهب والعشيرة. وله نمطه السياسي في الدولة السلطانية والاستبداد العادل. وله ثقافته الجمعية المحافظة غير القابلة للتغيير ولا لاستيعاب مفاهيم الفردية والحريات المدنية وحقوق الإنسان.

هذه "الخصوصية" كانت الأساس "الابستمولوجي" (الابستمولوجيا: نظرية المعرفة) للتيارات السياسية العربية في رفضها أو تخوفها من الديموقراطية يمينا ويسارا.

غرق العقل السياسي العربي في طروحات الاستشراق المعكوس ولم يلاحظ تحت الدخان الأيديولوجي الكثيف أن الديموقراطية صارت واقعا عالميا. بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت اليابان دولة ديموقراطية بعد تاريخ طويل من الإقطاع وحكم العسكريين. وأثبتت أن بلدا مهزوما ومدمرا يمكن أن يتحول للديموقراطية.

كانت الهند ثاني الداخلين في النادي الديموقراطي عقب الاستقلال مباشرة في 1948، متحولة إلى ديموقراطية تعددية علمانية. وأثبتت التجربة الهندية أن الديموقراطية صالحة للمجتمعات الفقيرة متعددة الأديان ومتعددة الأعراق والخارجة من تجربة استعمارية طويلة. وظلت النخبة العربية تعتقد أن الديموقراطية تنفع فقط للمجتمعات المتجانسة دينيا وعرقيا.

كما تحولت كوريا الجنوبية إلى ديموقراطية في مجتمع ذو ثقافة محافظة وتاريخ طويل من الاستبداد.

عرف العالم الديموقراطيات الفقيرة في نيجيريا والسنغال والفلبين وبيرو وهنغاريا وبولندا والأرجنتين والبرازيل، بينما استمرت النخبة العربية تجادل أن الفقر والحرية لا يجتمعان وأن على المواطن العربي أن يختار بين الخبز والحرية.

عندما بدأت "الموجة الثالثة" للديموقراطية عام 1974 بالانقلاب العسكري الذي أسس للديموقراطية في البرتغال، لم يكن عدد الديموقراطيات في العالم يزيد عن 40 دولة ليس منها أي دولة عربية. بعد 43 عاما على تلك اللحظة، تعدى عدد الديموقراطيات 120 دولة ليس بينها أيضا أي دولة عربية.

انتشرت الديموقراطية في جنوب شرق آسيا في الثمانينات من القرن الماضي، وفي أميركا اللاتينية بعدها بخمس سنوات، تبعتها أغلب دول شرق أوروبا بثلاث أو أربع سنوات.

انتشرت الديموقراطية في الدول الفقيرة والغنية، المتدينة والملحدة، التقليدية والمنفتحة، متعددة الأعراق والديانات والمتجانسة. كما انتشرت في دول مستقرة، ودول عرفت حروبا أهلية. وفي دول عرفت دولة مركزية ودول ما زالت تبني شخصيتها الوطنية.

الدراسات المقارنة للتحول الديموقراطي تثبت أن لا شيء يحول دون العرب والتحول الديموقراطي.

لكن التحول يحتاج أولا إلى قناعة بضرورة الديموقراطية، وقطيعة مع عقلية "لسنا جاهزين بعد للحرية" التي حكمت تفكير النخبة السياسية والفكرية قرنا بأكمله.

عن الكاتب: حسين الوادعي، كاتب ومحلل من اليمن، يعمل خبيرا في مجال الإتصال التنموي والتدريب الإعلامي مع عدد من المنظمات الدولية. ينشر مقالاته في عدد من الصحف والمنصات الإلكترونية العربية ،كما ينشر تحليلات معمقة للوضع اليمني. يهتم بقضايا الإرهاب والعلمانية والطائفية والتدين وتجديد الفكر العربي وتحولات الوضع السياسي بعد الربيع العربي. لديه اهتمام خاص الشباب وتهيئة منصات تنويرية للتخاطب معهم.

لمتابعة حسين الوادعي على فيسبوك إضغط هنا. وعلى تويتر إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

التعليقات

XS
SM
MD
LG