Accessibility links

Breaking News

رسالة من الجانب الأيسر إلى "صديقتي" في الأيمن


من أصواتكم - تمارة العبيدي

بقلم تمارة العبيدي:

اليوم وفي تمام الساعة السادسة صباحاً بتوقيت الموصل استيقظتُ من نومي بحالة صدمة. للثواني الأولى كنت أحسب أنني أحلم، لكن بعد أن اهتزت النافذة بشكل رهيب وكأنها جذع شجرة تحاول الرياح العاصفة اقتلاعها، تأكد لي ما يحدث. هناك قصف وأصوات تنذر ببداية معركة جديدة لتحرير أيمن الموصل المحتل.

تذكرتُ أيام الحرب. كل يوم كنا نستيقظ على أصوات المدافع وأزيز القذائف وهي تمر من فوق رؤوسنا لتسقط فوق رأس أحدهم. هكذا كانت الأيام عند انطلاق ساعة الصفر لتحرير أيسر الموصل. هنا تبدأ المعارك بتوقيت معين ولا تنتهي مطلقاً. تذكرتُ صديقتي التي تسكن في أيمن الموصل وبعض أقاربنا والكثير من المعارف.

صديقتي الغالية ليتني كنت أملك شيئاً آخر غير الكتابة أقدمه لكِ الآن. ما زلتُ أشعر بالعجز، وهذه الكلمة لها عدة معانِ. يُقال إن العجز هو أن يشعر المرء بالشلل التام رغم قدرته على الحركة.

سأخبركِ بشيء من مكاني في الجانب الأيسر المحرر: أصبحنا الآن نعلمُ جميعنا أن ما قبل الحرب هو الأقسى والأعنف، الأيام التي نعيشها قبل أن يُطلق القادة (ساعة الصفر) هي الأقسى على أرواحنا؛ لأننا وخصوصاً الشعب الموصلي، صرنا نرى في الحرب حياة.

فيا صديقتي: لا تخافي من تلك الأصوات العنيفة جداً، ولا تخرجي من السرداب مهما حصل. اجلسي، وضعي طفلك الصغير في حضنك، وإن اشتدت الحرب. لا تنظري مطلقاً إلى السقف حتى لا يشعر صغيرك بخوفكِ. وبين الحين والآخر غنّي له بهمس. غنّي أي كلمات فقط ليطمئن، وأنتِ تطمئنين. إن اهتز منزلكم فلا بأس، قولي لنفسك بهذا الاهتزاز ستزول عن منزلنا كل تراكمات القهر والسنين العجاف. قولي لنفسك إنه ينفض عن جدرانه تعب ومعاناة عشرات السنين. أرجوكِ يا صديقتي إن أمكن: لا تبكي، كوني شجاعة كما أعرفكِ دوماً.

في وقتٍ ما ستسمعين صوت إطلاقات نارية قريبة منكم، هذه هي ما كنا ندعوها "زفة النصر" عندها ستكونون بأمان وستتحررون من داعش على يد رجال يمنحون الحياة.

أتذكرين حين التقينا قبل أشهر من اليوم. أراد طفلك يومها أن ينام، قلتِ لي: أنظري له. وحين بدأتي تغنين أغنية لطيفة جداً صار يتفاعل معك بحركاته ويحرك رأسه بطريقة رائعة، وعندما تسكتين يقطب حاجبيه احتجاجاً على هذا الصمت غير المبرر منك، فتعودين لإكمال غنائك ليضحك ضحكة تملأ القلب.

في وقتها وإلى الآن، لم أرَ أجمل من هذا المشهد. أريدك أن تعودي وتفعلي هذا أمامي، كم سأكون ممتنة للحياة. جميع الأمور ستكون بخير، هذا ما أشعر به، لأننا أيضا عشنا هذه الحرب، وعندما انتهت وخرج الجميع من المنزل من دون أن يتأذى أحد كان هذا هو الانتصار. والآن أصبحنا نمارس حياتنا بشكل طبيعي.

اليوم، الناسُ هنا في الجانب الأيسر المحرر يستبشرون خيراً بهذه المعركة. وأنتم قريبا ستعودون لفعل الأمور الطبيعية والعيش بكرامة وستشترين منزلا صغيرا تكملين به حياتكِ.

  • الآن حوالي الساعة الحادية عشر صباحاً ونحن ما زلنا نسمع أصوات المعركة التي تدور قربكم، بدأنا نسمع أخبار الانتصارات. سيتم تحرير قرية بعد أخرى، وحي بعد آخر وصولاً إلى وسط المدينة.
  • في عصر هذا اليوم اتصلت بي والدتكِ لتقول إنكِ ليلة أمس اتصلتِ بهم، وطلبكِ كان أنه بعد زوال داعش تحتاجين إلى كورس غذائي جديد بشرط أن يكون خالِ من شيء اسمه البطاطا. وقالت أيضاً أنكِ فقدتي القليل من وزنكِ. لكنكِ صامدة وشجاعة.
  • في هذا الوقت الناس هنا يسيرون بحرية كاملة ويتحدثون عن أخبار المعركة بصوت عالِ غير خائفين من أن يسمعهم أحد. في كل ركن ترى تجمعاً للشباب وهو يحللون سير المعركة في يومها الأول، عندما يبدأ الحديث عن المعارك الجميع يشارك بتحليلها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً كخبراء معارك.
  • اقترب المساء، أصوات المعارك هدأت قليلاً بين الحين والآخر تسمع المدفعية تدك معاقل داعش. والعيون جميعها باتجاه الموصل القديمة.

هذه المدينة ليست تأريخاً وآثاراً قديمة وحسب، هي اختلاط رائحة الأرض بغابات الموصل مع ماء دجلة، والحياة البسيطة وأرزاق الخلق. هذه هي الموصل، وهناك قلبها في الساحل الأيمن المحتل.. لذلك نحن ننتظر عودة قلب المدينة لتكتمل الحياة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

التعليقات

XS
SM
MD
LG