Accessibility links

Breaking News

دماؤنا في الموصل.. أسئلة الأحياء والموتى


مدونات إرفع صوتك - سرمد الطائي - العراق

بقلم سرمد الطائي:

بعد تحرير الساحل الأيسر من الموصل وبدء عمليات تحرير الجانب الأيمن، يمكن القول أن "مرحلة ما بعد داعش" قد بدأت بالنسبة لنصف مليون عراقي هناك على الأقل. ولم يعد مبررا القول إن علينا الاستعداد للمرحلة الجديدة، فقد أصبحت واقعا قائما، وسرعان ما تتبخر حماسات النصر وتبدأ "خلافات" الإدارة والسياسة. ونعلم جميعا مخاطرها العظمى. ولدينا مجموعة وقائع ومهام يجب مراجعتها سريعا.

فمن جهة ندرك أن الدماء التي اختلطت في الموصل، من الجنود الشجعان والأهالي المسالمين، بلغت حدا يجعلنا نخشى إحصاءها أو اعلانها، ونكتفي بالقول إنه ما من حل آخر، وأن هذا هو "ثمن الحرية".

ولم ينته النزيف بعد؛ فالجزء الآخر من المدينة سيبتلع دماءً مماثلة على الأقل، لكن الأرواح المتجهة نحو السماء تطرح أسئلة عديدة، عن مرحلة "ما بعد التضحية"، وعن الذين سيتولون حماية التضحيات واستثمارها لبناء الاستقرار.

إنها أسئلة من غير المسموح أن نقفز عليها أو نتهرب منها، مهما كانت الذريعة، لأن الهروب معناه أن ظروف انتاج العنف وسقوط المدن والبلدان ستتكرر، وستذهب الدماء الغالية سدى، كما حصل في حروب العراق أو حروب أنظمته طوال قرن.

أيضا فإن التساؤلات حول مستقبل الإدارة والسياسة والأمن في الموصل تشكل تساؤلات حول العراق بأسره، حتى في ذي قار أو ديالى أو الفاو، لكن حرارة الدم اليوم تعيد طرحه بنحو مؤثر.

كذلك فإن أسئلة الموصل ليست لغزا عصيا، بل تتعلق بإصلاح الإدارة السياسية والأمنية والتنموية؛ لأن نمط الإدارة الذي لم نقم بتحديثه منذ 100 عام، لم يعد مناسبا لبلد مزدحم بالسكان والأفكار والتيارات والمكونات، واستمراره لن ينتج سوى الفساد والهدر وعدم الاتقان. وهذه أسباب لظهور العنف والثأر والانتقام واللجوء إلى العشيرة والمذهب بدلا عن الدولة، وهكذا سقطت مدننا مرارا فريسة للفوضى، من النجف والبصرة حتى الرمادي والموصل، وهلُم جرًّا.

أما الأهم من كل هذا فهو أن ندرك بديهة أساسية: إن إصلاح الإدارة ليس أمرا يشبه كتابة قصة قصيرة أو خاطرة أو مقترحات عابرة.

إن وضع خطط إصلاح للوضع الحزبي والتنوع الديني وضبط الأمن، ليس مجالا للخيال الخصب، ولا للتجربة والخطأ، بل هذا تحديث وتطوير علمي دقيق له مراكز أبحاثه وبرامجه ومؤسساته الاستشارية. إنه مثل معادلة للكيمياء أو الفيزياء محسوبة بدقة الرياضيات والخوارزميات، ولا مجال فيه لكتابة الشعر أو إلقاء الخطب الرنانة. وهذا أمر لم نعترف به بما يكفي.

ولأننا لم نعترف بأن التحديث علم واختصاص معقد، فقد عجزنا عن امتلاك أحلام صحيحة، وأخطر ما تمر به الشعوب هو عجزها عن امتلاك أحلام صحيحة، ولذلك فإننا نلجأ إلى المظاهرات مثلا ونتردد في أحلامنا ومطالبنا، لأننا ندرك عدم وجود جهة قامت بوضع خطة مجربة لتحديث القواعد السيئة التي تفتك بنا من المدرسة والمستوصف حتى قاعة البرلمان وكواليس التفاوض على المستقبل.

كان قادة العراق السابقين، مجانينهم وعقلائهم، يحلمون بتحديث البلاد، لكنهم لم ينجحوا لأنهم تخيلوا أن مشروع التحديث من اختصاص خيالهم الخصب وخواطرهم "العبقرية"، ولذلك فقد أضاعوا الدماء ووضعوا البلاد على مسار الانحلال. ولن يتغير الحال اذا لم نتمكن من إقناع "زعمائنا" بالرضوخ لما تقوله قواعد التنمية الحديثة ونماذج الإدارة المتطورة كعلم يباع في أسواق المعرفة والاستشارة.

ها هي دماء كل العراقيين في الموصل تسأل، ولا نلمح إجابة بعد.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

التعليقات

XS
SM
MD
LG