Accessibility links

Breaking News

داعش... الجريمة وآثارها وعلاجها – الحلقة 5


من أصواتكم - فلاح المشعل

بقلم فلاح المشعل:

* "ثقافة داعش" والثقافة البديلة

لم يكن لداعش أن ينشأ وينمو لولا وجود مناخ ثقافي وبيئة نفسية واجتماعية غارقة بأزمات على رأسها ممارسات القهر وشتى أنواع المظالم والدفع لحافات اليأس.

وإذا كانت منهجيات الحكومات المستبدة تشكل الحافة الأخيرة التي يسقط منها الإنسان السليب أو المغسول عقليا في متاهات داعش، فإن الخطوات التي ترافق ذلك بضغط عالي تتمثل في الحاضن الثقافي والفكري الذي يعطي التأهيل لتقبل فكرة التحول من السلوك الإنساني القويم إلى التصرف ببدائية تعيده لأجواء الكهوف والتعايش مع الوحوش الضارية وشهية القتل وفكرة الإبادة التي تجعله متصالحا مع "الإله" الذي تخترعه تلك الثقافات.

إن الحاضن الثقافي المتمثل بأطروحات وفتاوى وتعاليم أحزاب إسلامية أصولية منصرفة لإدارة فقه التوحش والتكفير، يعد السماد النوعي لأشجار الزقوم الداعشي في بعض مناخات الثقافة العربية والإسلامية التي التزمت الأصولي الصلف، وما يجاورها من نفايات الطائفية.

رواد الثقافة الداعشية وقاعدتها من الأحزاب الأصولية والإخوانية رفعت عقيرتها بالاحتجاج والاعتراض على التحالف الدولي ومشروع الحرب على داعش، في فضيحة أخلاقية وإنسانية ستدونها ذاكرة المجتمع الإنساني في خانة الجرائم المخلة بالشرف الإنساني.

وحين احتشدت دول العالم في عاصمة النور باريس لتوزيع الأدوار في مكافحة سرطان الوجود الحضاري داعش، وجدنا أحزاب التطرف الإسلامي والتكفيري في ضرب من غرائبية تعبير عن الولاء للدم والجريمة، يباركون لداعش جرائمها التي تستنكف منها حتى الوحوش، ويحضون بعض الأنظمة العربية على عدم المشاركة في القضاء على هذا الوباء الشامل!

الإشكالية التي رافقتنا كأمة عربية تعبر في صور متعددة ومتعاقبة عن مضمونها في تاريخ دموي لم يزل يحظى بالتمجيد والتخليد في وجداننا المعاصر. وإذ يتقاطع أحيانا مع قفزات الوعي المكتسب ويشعرنا بالإثم لأننا نغرم بالقتلة ونمجد السفاحين، ثم نلعنهم بعد خراب البصرة والأرواح.

هذه المتضادات لم تنتج خطوات على مسار التقدم والحوار الحضاري المواكب لبقية الأمم والمجتمعات، وإنما تدفع بوعي الأمة نحو مفازات وتقاطع طرق تجعلها تدور في حلقة دائرية تعيدها دوما لنقطة الانطلاق؛ والسبب أنها لم تزل ماكثة في الماضي ولم تجرأ على دخول التاريخ الحديث ورهانات المعرفة في الزمن المعاصر.

هذا السلوك التعاقبي عبر متغيرات الزمن، لم يعط لنا فرصة الاتفاق على كينونتنا التاريخية أو الإسلامية، أو حتى معرفة العدو من الصديق، إنما كرست لمزيد من الانشقاقات والخلافات وأسباب موت الأمة، أو وضعها في طريق يخرجها عن مسار التقدم.

كل الأمم والمجتمعات تتطلع إلى المستقبل، وتحاول أن تعرف أين تضع قدمها في الخطوة اللاحقة، نحن الأمة الوحيدة في هذا الكون التي تنظر إلى الوراء، بل وتتصارع من أجل هذا الوراء (الصراع الشيعي-السني)، وبوحي منه تحاول اختراع أسباب للخلاف على الراهن والمستقبل أيضاً.

الذين رحبوا بتنظيم داعش التكفيري الدموي في العراق تحديدا، رغم معرفتهم بأهدافه وخلفياته الإجرامية المطلقة، وكانوا أداة وعونا له تحت شعارات الخلاص والانتفاضة وعداء الحكومة، تجدهم اليوم يعضون أصابع الندم ويدفعون الثمن باهضاَ، ويدفعون دماء وأرواحاً في معركة تحرير الموصل وطرد داعش من الوطن.

فالوطن ليست ساحة للرهان والمساومة أو بورصة للكسب أو التفاخر الأجوف. الوطن في عرف الأحرار حلم مقدس ومنطقة حرام لا يمكن الاقتراب منها، لكن بعض النخب الدينية التي تكلست قناعاتها وانغلقت على موقف عدمي يستمد هواه من موروثات الماضي وعقده، لا يكترثون لضياع الوطن أو الناس، بل إنهم بدرجة ما مشاركون بالجريمة والتواطؤ مع داعش.

تلك الأخطاء تضعنا عادة على رصيف الخسارة، فالثمن اليوم باهض ولا يتمثل بالأموال والأعراض وقتل الحياة بكل معانيها وحسب، بل في خيانة الذات والوطن والتاريخ والإسلام وكل منتجات الحضارة، إنه توقيع على وثيقة التوحش والانسلاخ عن كل المبادئ والقيم التي تميز الإنسان عن المزبلة.

والسؤال الذي يبرز بينما نقف على مقربة من زمن ما بعد داعش: ما هي الثقافة البديلة التي ينبغي أن تسود على الضد من "ثقافة داعش" وحاضناتها؟

كيف نكافح مخلفات داعش ونحرر الذوات من آثارها وشرورها؟

أسئلة تبحث عن رؤى ثقافية بديلة تتجاور في علاجها مع الأساليب والرؤى الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وهو ما سنعرضه في الحلقة المقبلة.

نبذة عن الكاتب: فلاح المشعل، كاتب وصحافي عراقي يقيم في بغداد ويكتب في عدد من الصحف والمواقع العربية والعراقية. شغل عدة مواقع خلال تجربته الصحافية البالغة نحو 30 سنة، ولعل أبرزها رئيس تحرير صحيفة الصباح العراقية، وكان أحد مؤسسيها . عضو نقابة الصحفيين العراقيين ، ومؤسس لمركز الصباح للدراسات والنشر.

لمتابعة فلاح المشعل على فيسبوك، إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

التعليقات

XS
SM
MD
LG