Accessibility links

Breaking News

مشروع "داعشية" صغيرة


من أصواتكم - زينب عباس الخفاجي

بقلم زينب عباس الخفاجي:

كانت أياما جميلة وبريئة عشتها كأي طفلة عادية أخرى، أتذكرها جيدا بين الحين والآخر. تلك الأيام التي انتقلت فيها بالعيش مع عائلتي إلى اليمن.

عندما سجلت في المدرسة الابتدائية ذهبت مع والدتي إلى هناك وكنت أرتدي الزي المدرسي العراقي المكون من ثوب متوسط الطول و قميص أبيض مع تصفيفة شعر تتميز بشرائط الدانتيل البيضاء. كانت المديرة والمدرسات ينظرن إلي ولأمي بنظرة تعجب واستغراب لم أفهمها حينها.

كأي طفلة في عمري حاولت أن أكون شبيهة بزميلاتي باللبس والتصرفات. وقمت بارتداء الحجاب واللبس الطويل. إلى أن قمت بارتداء العباءة الإسلامية مثلهم تماما.

كنت في الصف الثاني ابتدائي وأتذكر كيف كان يهطل المطر وتقوم المعلمة بتلقيننا "دعاء المطر". كنا نردد ورائها "سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة بخيفته" وأعيننا على الشباك نرى هطول المطر.

كنت أتخيل أن الملائكة تقف خائفة تحت عرش الله وإن الرعد القوي المخيف يسبح بحمده. هكذا كنت أتخيل وأنا واقفة أنظر إلى المطر وصوت معلمتي والطالبات يتعالى في الصف.

أحببت هذا الدعاء كثيرا وما زلت اتذكره إلى الآن. كنا لكل شيء ولكل مناسبة ندعو ونصلي ونذكر. حتى التصفيق كان محرما وكانت عبارة "جزاك الله خير" هي البديل. لم يسمح لنا بالتصفيق حتى في طابور المدرسة أو عند عرض مسرحيات دينية تعليمية. كنا نصطف في الطابور الصباحي ونمارس القليل من الرياضة وقليل من اناشيد تحفيزية. لم يكن النشيد اليمني الوطني يتضمنه بل كان نشيدا عن الحرب والجهاد:

"خيبر خيبر يا يهود.. جند محمد سوف يعود. إسلامية إسلامية لا شرقية ولا غربية". كنت أتحمس كثيرا عندما نهتف بأعلى أصواتنا وكأننا واقفين بسيوفنا نحارب اليهود و الكفار لنصرة دين محمد.

بالتأكيد لم يخلوا دعائنا عن مساندة المسلمين في الشيشان وأفغانستان و طلب نصرتهم على القوم الظالمين. كان الدعاء جزءاً لا يتجزأ من دروسنا. وكان الدعاء على الكافرين لا يغادر ألسنتنا:

" اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم وأنصر الإسلام والمسلمين عليهم".

إضافة إلى الدعاء للمجاهدين الذين شدوا الرحال إلى بلاد بعيدة لنشر الإسلام. والذين وهبوا وقتهم ومالهم في سبيل الله ولرفع راية الإسلام في كل مكان.

وبالتأكيد لم تخلو المدرسة من نظريات المؤامرة ، فتحول فيلم الأطفال الشهير في وقتها "بيكومون" إلى أسامي إسرائيلية, و أوهمونا أن "بيكاتشو" اسم إسرائيلي. وحتى العصابة ذو الرداء الأبيض كانت تقليدا لحجاج بيت الله الحرام، هكذا علمونا.

ووصلت نظرية المؤامرة حتى للمشروبات الغازية، علامة "الكوكاكولا" التي كانت ضمن مؤامرة كبيرة يحيكها الكفار ضد المسلمين. فقد تم اقناعنا بسهولة بوضع مرآة أمام شعار المشروب لتعكس لنا كلمة " لامحمد لا مكة".

كنا أطفالا ندعوا من أعماق قلوبنا ونصدق بكل شيء من دون أن تخطر في بالنا فكرة أن هؤلاء "الآخرين" بشر مثلنا تماما. يحلمون، يتمنون، يغنون لكن حياتهم خالية من نظريات المؤامرة والكره.

وعندما كبرت استوعبت كيف أن نتيجة دعاء "اللهم انصر الإسلام والمسلمين" هو ما نحن عليه الآن من دمار وحرب جعلنا غارقين في برك دمائنا.

عندما أتذكر هذا وأكثر أرى نفسي مشروع طفلة دربت لكي تكون جزءا لا يتجزأ من بعض المسلمين الذين يظنون بأن كل بلاء يحل بهم هو اختبار من الله وأن كل بلاء يحل على الكافرين (كما يصفونهم) هو عقاب لسوء أعمالهم. ربما كنت لأكون أنا أيضا من المناصرين لـ "دولة" حملة الأعلام السود لتنصر الإسلام والمسلمين وتقتل المشركين، لكنها بدل أن تتجه إلى نصرة فلسطين من اليهود اتجهت إلى المسلمين أنفسهم لتعيدهم إلى رشدهم و تلقنهم الإسلام "الحقيقي". وربما كنت أنا من أحمل القنابل لأفجر جسدي بين الأبرياء وأنا أردد "الله أكبر".

لكنني تيقنت أخيرا بأن كل ما تعلمته وسمعته وعشته لا يمت إلى الله بصلة، كل ما تعلمته كان وهماً يخلق الكره والأنانية اتجاه كل شخص يختلف عني بالفكر والدين والمذهب. تعلمنا بأننا نحن قوم الله المختارون، وكأن الله خلق الجنة التي عرضها السموات والأرض لنا نحن فقط. نحن الذين ندعو بالخير لبشر مثلنا تماما وبالشر والهلاك لكل من يختلف عنا حتى في طريقة الصلاة إلى الله. وكأن عناصر "داعش" أتوا من فراغ. وأي فراغ هذا ونحن نصبح ونمسي موقنون أننا في الجنة وغيرنا في النار.

ما زلت لا أعلم ولا أفهم كيف لبشر أن يتحدثوا باسم الله وكأنه خلقنا لكره وقتل بعضنا دون رحمة؟ لكنني متيقنة أن منزّل المطر وواهب الشمس والقمر لا يمكن أن يكون وحشا كما يصوروه هم لنا.

عن الكاتبة: زينب عباس الخفاجي، طالبة عراقية مقيمة في ألمانيا، طالبة ماجستير في سياسة واقتصاد الشرق الأوسط،. ناشطة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وتكتب لعدة مواقع إلكترونية.

لمتابعة الكاتبة على تويتر إضغط هنا، وعلى فيسبوك إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتبة ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

التعليقات

XS
SM
MD
LG