Accessibility links

Breaking News

مذكرات فتاة موصلية في ظل داعش.. الحلقة - 7 والأخيرة


من أصواتكم - هبة أمجد

مشاركة من صديقة (إرفع صوتك) هبة أمجد:

كان يوم التحرير الذي لا ينسى هو 11 كانون الثاني/يناير 2017 في الساعة الخامسة ونصف عصراً. فرحنا تختصره كلمات جارتنا الخمسينية. قالت لي: أنتي، وأنا، وحفيدتي، كلنا صار لنا يوم ميلاد واحد هو 11-1-2017.

لا أستطيع أن أصف لكم فرحتنا. منظر الفرح في العيون. كأن الله قال سأعوضكم عما مر بكم.

كنتُ قد نذرت أني سأنحني لقدم أول جندي أراه. كنا ننتظر بفارغ الصبر، ولم يخب أملنا بهم أبداً.

قبل التحرير، ظل الجنود لمدة 70 يوما على مسافة حوالي 2 كيلو متر عن حيث نسكن. تعرضوا لخسارة فتراجعوا. كانت تلك الأيام الأصعب. يا إلهي نسمع صوت طلقات الجنود ولكن لماذا هذا التأخير؟ كانت حربا قوية ويوميا. وفي الليل، نغفى وننام ونفز على صوت انفجار أو قصف. كنا ننام بوجود صوت الإطلاقات ولكن القصف وبقية الانفجارات كانت أصعب. إلى أن بعثت بغداد بقوات بديلة.

أكتب لكم هذه الكلمات القليلة، ولكنها عمر بأكمله.

في ذلك اليوم، 11 – 1 -2017 .. في الساعة 12 ظهرا. صاح جيراننا أنهم سيعبرون إلى بيتنا فالدواعش أتوا لبيتهم لأنهم ينصبون خط صد أمام شارعنا. وجلسنا كلنا النساء والأطفال بغرفة، والرجال بغرفة. هذه الغرف هي بعمق البيت. بدأنا نسمع القصف والانفجارات أقوى بكثير. كان الصوت مرعبا وقريبا جداً.

حسبت خمسة انفجارات هزّت البيت حتى كأنه يكاد يسقط علينا. بدأنا نشم رائحة دخان. توقعنا أن طائرة قصفت الدواعش في بيت جيراننا، وربما أحد الصواريخ وقع بطابقنا الثاني. أو ربما سيارة والدي اشتعلت جراء القصف. لا نعلم. كلنا في الغرفة. ندعو ونطمئن الأطفال. صوت صراخ الأمهات وهن يحتضن أطفالهن كلما زاد القصف.

فقامت ماما بمناداة الوالد تعال اقعد معنا فالكل خائفين. أتى بابا بدأ يحاول يقنع الأمهات والاطفال أن الأمور ستكون بخير ولكن الواقع أصعب. استمر الوضع للخامسة والنصف عصراً.

أتت دقائق هدوء فتجرأنا للخروج إلى الصالة الداخلية وصولا إلى المطبخ. لمحنا جندي من الشباك.

يا الله..

الكل غير مصدق.

شهقة تكاد تخطف الروح. توقف الزمن فجأة. صرخة فرح. نحن هنا في البيت. أنا وفيتُ نذري، الذي كاد أن يتسبب بموتي بسبب بداية حلول الظلام.

صرنا نؤمن أن الأحلام تتحقق. الكل بدأوا يصرخون فرحاً. بينما قبلها كان صراخ الخوف والمصير المجهول. انتهت الحرب. انتهى الاحتلال الداعشي. بدأ الفرح.

مرحلة الهلاهل

بدأت مرحلة جديدة بحياتي. أضفت لغة جديدة أخرى إلى قاموسي. لغة لم أتعب بتعلمها كثيرا ولكني أنهكت حتى وصلتها. إنها لغة الهلاهل التي صار لساني يرقص بها فرحاً.

رأيت همر الجيش العراقي.. هلهلت.

اشترينا فاكهة وحلويات.. هلهلت.

جاء الغاز.. هلهت.

وغيرها كثير من الأحداث. أصبحت اختصاص هلاهل.

شكراً لله عدد كل وتر صوت اهتز فرحاً. الآن ماذا أتحدث لكم؟ عن أول تسوّق بعد التحرير؟ نسينا مواسم الفواكه لم أعد أعلم متى مواسمها. ولكن بعد التحرير أصبح كل يوم هو موسم الفواكه

بعد التحرير أخرجت (سيم كارد) الجوال بعد أن كنت قد خبأته في البرغل خوفا من داعش. كان هذا آخر مخبأ سري له. واشترينا رصيد وبدأت طريق العودة الإلكتروني الصوتي للوطن. اتصلت بصديقاتي وزميلاتي. أنا أبكي وهم يبكون. كانوا يقولون لماذا هكذا عملتي فينا؟ لماذا تركتينا لأفكارنا؟

أما أول خروج لنا بالشارع مشينا حيين سكنيين يا لهذا الفرح. الكل تهنئ الكل وتبارك لهم بالسلامة.

كانت خطواتنا مثل خطوات الأطفال: خجولة ومتعثرة.

كنت فرحانة شكرا لله عدد كل الأقدام وعدد كل سنتيمتر قطعته. بالرغم من مناظر الدمار ولكن كنا نقول: لوما هكذا ما كان اتحررنا. فحقا قبل دقائق التحرير كانت تشتد الأمور. لدرجة كان الناس يقولون اشتدي يا أزمة تفرجي.

كنا ننتظر الجنود يوميا حتى يفتشون بيتنا ونحضر لهم شاي وما توفر، عكس عندما كانوا الدواعش يفتشون منزلا واحدا. الموصل كلها ترتعب خوفاً.

يا لها من لحظات فرح بعد التحرير حين بدأ المسافرون والهاربون والنازحون بالعودة. بدأوا يعودون لبيوتهم، أفراداً وعوائل. ويذهب الناس ليسلموا عليهم. كانت أجسامنا نحيفة، وجوهنا مرهقة. فمن يرانا بعد عودته من السفر يقول: لم أعرفك. لم اعتقد أنك ستتغير هكذا. ولكن كنا ممتنين أكثر منهم. كنا نعرف قيمة الأمور أكثر. فنحمد الله كثيرا.. بينما هم يتذمرون من منظر ذلك البيت المهدم وذلك الشارع المحفر.

أختتم هذه المذكرات البسيطة التي كان يمكن أن تكون أطول لو سمح الوقت ولو استطعنا تحمل ألم الذكريات عند كتابتها في مرحلة بغيضة قضيناها في ظل أسوأ احتلال مرت به الموصل.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

التعليقات

XS
SM
MD
LG