Accessibility links

Breaking News

هل التطرف ظاهرة مجتمعية؟


من أصواتكم - عبد الله هنداوي

بقلم عبدالله هنداوي:

لم يعد التطرف والمغالاة مقتصرا على المجال السياسي والديني فحسب بل امتد ليسيطر على كثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي وأهل الفن والإعلام والرياضة والفن وحتى على التعاملات اليومية بين أفراد العائلة الواحدة. فبات من المألوف أن يتطور اختلاف بسيط في وجهات النظر إلى خلاف وربما صراع دموي يودي بحياة أبناء البيت أو العشيرة أو الحي الواحد. فهل فعلا تحول التطرف إلى ظاهرة مجتمعية؟

بدايةً يعُرّف المرصد العربي للتطرف والإرهاب ظاهرة التطرف على أنها "اتخاذ الفرد (أو الجماعة)، موقفاً متشدداً إزاء فكر (أو أيديولوجيا أو قضية) قائم، أو يحاول أن يجد له مكانا، في بيئة هذا الفرد أو الجماعة. وقد يكون التطرف إيجابياً يتمثل بالقبول التام لهذا الفكر (الأيديولوجيا، القضية)، أو سلبياً يتمثل بالرفض التام له، ويقع حد الاعتدال في منتصف المسافة بين القبول والرفض".

لا يوجد ما يعيب الفرد أن يكون مقتنعا بوجهة نظر معينة أو اتجاه فكري مختلف عن ما حوله. فجزء من التطور المعرفي للفرد أن يتبنى موقفا مختلفا تجاه قضية معينة ثم يبدأ رحله البحث والتدقيق والاستماع إلى آراء الاخرين حتى يتكمن من التوصل لاستنتاج يتسم بالاعتدال والعقلانية. بيد أن التطرف يُنشئ جذوره في المجتمعات عندما يرفض الفرد الاستماع إلى الآراء المغايرة لقناعاته ومن ثم تحقيرها أو شيطنتها واعتبارها تهديدا لكيانه الشخصي، وبالتالي يبدأ في محاولة القضاء عليها حتى يتمكن من فرض قناعاته على الآخرين سواء باستخدام سلطة الترهيب أو العنف الجسدي.

عندما يتزاوج التطرف بالعنف يبدأ المجتمع بتقسيم نفسه إلى فئات مختلفة على أسس عرقية أو دينية أو أيدولوجية. تبدأ كل فئة في شيطنة الفئة المعارضة لها وتدعو إلى القضاء عليها. وبدل من أن يكون المجتمع بنية واحدة، يتحول إلى جماعات متصارعة تبدأ كل فئة في استقطاب مزيد من المؤيدين لها ولمواقفها فيتحول الخلاف الفكري إلى صراع دموي يسُخَّر فيه كل طاقات المجتمع وقطاعاته إلى القضاء على بعضهم البعض.

لا يقتصر الأمر على مؤسسات المجتمع الكبرى (كالجيش والشرطة والقضاء والأحزاب السياسية) لكن أيضا المؤسسات الصغيرة (كالعائلة و العشيرة والأسرة الصغيرة) بل إن الفرد نفسه يصبح أكثر عرضة للانخراط في تلك العملية نتيجة تسارع وتيرة الأحداث حول العالم حيث أصبح الشباب في مواجهة مع أحداث دامية بشكل يومي تؤثر بشكل مباشر على أفكاره واهتماماته ومن ثم أولوياته.

تلعب التكنولوجيا هنا دورا هاما. فكما إن لشبكة الإنترنت دور هام في نشر المعلومات والمعرفة فهي أيضاً مجال مفتوح ليس فقط لمتابعة الأحداث العالمية، لكن أيضاً المشاركة في صناعتها بشكل لحظي. استغل المتطرفون هذه الطفرة التكنولوجية للتواصل مع بعضهم البعض ونجحوا في تسخير أدوات الوعي العام كالإعلام المرئي ووسائل التواصل الاجتماعي لاستقطاب المزيد من الداعمين لهم.

بينما يستقطب كل معسكر مؤيدين لسلوكهم يصبح الصوت المعتدل أمرا نادراً. وينتقل التطرف من سلوك للفرد ليصبح سلوك الجماعة، ليصبح التطرف سلوكاً مجتمعياً.

عن الكاتب: عبد الله هنداوي، باحث في شؤون الشرق الاوسط ومدرس علم الاجتماع السياسي بجامعة جورج ميسون بالولايات المتحدة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

التعليقات

XS
SM
MD
LG