Accessibility links

Breaking News

 عام رمادة الموصل


من أصواتكم - تحسين الطائي

بقلم تحسين الطائي:

مرّ أكثر من شهر على تحرير الجانب الشرقي بالكامل لمدينة الموصل (الساحل الأيسر) في الوقت الذي بقي فيه الجانب الأيمن من المدينة تحت سيطرة تنظيم داعش. يعيش اليوم نصف أهل المدينة حالة رعب ليس من التنظيم فقط بل من الموت جوعاً بينما تشتد عمليات التحرير.

لقي العشرات من أطفال الجانب الأيمن حتفهم جراء الجوع والبرد القارس، والعمليات العسكرية حتى الآن لم تجعل الناس هناك يعيشون الفرح قبل الموت. في الجانب الأيمن تسكن أخت صديقي حارث مع زوجها وثلاثة أطفال. قالت لأخيها باتصال هاتفي "سيموتون أولادي قبلي يا حارث، سمية ابنتي أمزج لها الطحين مع الماء وأضعه في الرضاعة مع قليل من السكر الذي خصصته لها وحدها، إنها الآن هيكل عظمي مكسو بالجلد الرقيق".

وليس حال الأخ الساكن قربي بأفضل من حال مئات بل الآلاف ممن عينهم ترنو إلى الجانب الأيمن حيث أقاربهم.

لم يعد أهل الجانب الأيمن يتناولون الطعام بثلاث وجبات، أجبر الجميع أنفسهم وأطفالهم على وجبة واحدة. الأطفال هم أكثر ضحايا تأخير عملية التحرير، والتنظيم كان يستعيد قوته بشراسة كبيرة. إنه مثل القط الذي قرر البعض حصره في أحد الزواية سيقاتل ويكشر عن أنيابه ويبرز مخالبه ويؤذي من يقترب منه وهذا الأمر سيقع على المدنيين قبل الجيش في عمليات التحرير.

مع هبوب رياح الشتاء البارد في بعض الأيام من هذا الشهر، يتجمع سكان البيت في غرفة واحدة أحكموا سد ثغراتها لكي لا يدخل عليهم نفحات من الهواء البارد. واحدة من هؤلاء هي (أسماء) التي اتصلت بأختها في الجانب الأيمن قبل أيام قالت لها "لم يعد في بيتنا أي غرض خشبي، لقد أحرقنا كل شيء وكانت غرفة النوم التي أعتز بها تعطينا الدفء الممزوج بالدمع. أحرقنا كل شيء، حتى الصور والأوراق الثبوتية التي لا نجد نفعا من بقائها لأننا أموات مع وقف التنفيذ".

ربما كان المال ملاذ الكثيرين إذا ضاقت بهم الدنيا ذرعاً، إلا أنه الآن بلا قيمة في الجانب الأيمن، حتى الذي يملكه لا يجد ما يشتريه لأنه لا يجد من يبيع شيئاً.

في الوقت نفسه تجد أن أعضاء التنظيم البغيض يروون عطشهم ويسدون جوعهم بالأموال والأغذية المسروقة أو بدماء الأبرياء، بعمليات إعدام متكررة تسكت وتضعف حول وقوة من يريد يثور ضدهم. وكيف يثور؟ إنه بلا سلاح وحتى لو كان عنده سلاح فالإعياء والجوع أنهك قواه حتى إنه لا يقدر على رفع يده أكثر من دقيقة ثم يسقط أرضاً لهبوط حاد في الدورة الدموية..

علي المضمد مساعد صيدلاني يعمل في أحد أحياء الجانب الأيمن قال لي باتصال هاتفي: إنني لا أملك أي دواء ولا أي مطهرات، إنني أعالج بعض الناس والحالات، ولا أستطيع توفير الأدوية الضرورية لمرضى الضغط أو السكري الذين يموت الكثير منهم بسبب عدم وجود أدوية الأمراض المستعصية.

هذا شكل من أشكال الحياة في الجانب الأيمن حيث مئات الآلاف ينتظرون التحرير والحياة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

التعليقات

XS
SM
MD
LG