Accessibility links

Breaking News

قصة كفاح


من أصواتكم - تمارة العبيدي

بقلم تمارة العبيدي:

بعد معركة دامت حوالي خمس ساعات، تمكّنت القوات الأمنية من تحرير الحي الذي نسكن فيه. كانت عائلة أم محمد حالها حال مئات العائلات التى خرجت عند دخول القوات الأمنية من منازلهم إلى المناطق الأخرى.

أم محمد السيدة ذات الثلاثين عاما، أم لخمسة أطفال وحامل بطفلها السادس. كانت قد حاولت مرتين النزوح والهروب من داعش والقهر الذي ألحقه بالمدنيين، متجاهلة وضعها الصحي وجميع المخاطر وظلام ليالي الشتاء الباردة بأراضيها الموحلة. بعد التحرير بحوالي 20 يوما، عادت أم محمد إلى منزلها مع أطفالها وزوجها وأم زوجها. حانت ساعة الولادة، يوجد في الحي المجاور قابلة بإمكانها أن تساعدها. ذهبت والدتي معها لكن الأمور لا تبشر بخير فالطفل لا يتحرك.

قالت القابلة لأم محمد خلال ساعتين من الآن إن تحرك الطفل ستكونين بخير عندما تشعرين بحركته تعالي مباشرة لي، لكن إن انتهت الساعتين والطفل لم يتحرك فستذهبون إلى مستشفى الحمدانية الذي يبعد حوالي ثمانية كيلومترات عن مكان السكن. لا يهم؛ الجيش سيوفر سيارة تأخذها إلى هناك لكن نرجو أن يتحرك الطفل فلا تحتاج لهذا الخيار. تذكرت كيف أن أم محمد وأثناء محاولة نزوحها مرتين، كانت قد سارت حوالى 19 ساعة مشياً على الأقدام. كنت شاهدة على رحلتها الأولى، في تلك الليلة سرنا بصمت لا نعرف إلى أين.

أم محمد تمسك طفلها ذو الثلاثة أعوام في يد واليد الأخرى تحمي جنينها، وكأنها تقول له لا تخف يا صغيري سنذهب حيث والدك هناك ينتظرنا. قبل أن نغادر قالت هذه السيدة وهي تعلل سبب قرارها هذا، لا أريد أن نموت هنا جوعاً، أو أن يسقط هاون فوق رأسنا ونموت بعيداً عن معارفنا.

من الصعب أن نموت هنا في هذه الأرض حيث لا شيء إلا الموت والجوع. أعرف كيف تكون مشاعرنا عندما لا يربطنا شيء بها.

سرنا طويلا على أرض كانت تلصق وحلها بأقدامنا وكأنها تعلن رفضها لهذه الرحلة إضافة للضباب الكثيف. اضطر الكثير من الناس إلى السير حفاةمن ضمنهم أم محمد... أذكر إنها قالت لا أستطيع أن أكمل هذه المسيرة إلا بخلع حذائي. بعد ست ساعات، وصلنا إلى أراضٍ مزروعة بها الكثير من السواقي المائية صعوداً ونزولاً.

قلت للعائلة التى تسير أمامنا: أرجوكم أخبرونا إذا ما كانت هناك مطبات أو المزيد من السواقي. لكن بعد دقائق انزلقت قدم أم محمد من التعب فانهارت على الأرض، سمعت صوت ارتطامها فأسرعت باتجاه الصوت وقلت لها: هل أنت بخير؟ أخذت نفساً عميقاً وقالت: أجل أنا بخير لم يحدث شيء، ثم نهضت من الأرض.

هل نكمل يا أم محمد؟

قالت: وهل لدينا حل آخر؟

بعد فترة وصلنا الوادي. قلت لأحد الرجال الذين كانوا يساعدون العوائل على العبور: إن معنا أمرأة حامل. صمت الرجل قليلاً وقال بكل رهبة "لا حول ولا قوة الا بالله" ثم أكمل سنرى ماذا نفعل.

بهدوء عبرت أم محمد.

أذكر أننا أضعنا الطريق وعشنا في الفجر نصف ساعة حرب كان من الممكن أن تؤدي إلى هلاكنا.

بعد 11 ساعة انتهت هذه الرحلة بالفشل فأعادنا داعش إلى المدينة وكأننا مجرمين في حق القدر، وليس لنا الحق في المطالبة بحياة آمنة.

في الصباح نظرت إلى أقدام أم محمد كانت متورمة بشكل لا يصدق استطعت أن أميز ذلك رغم الطين الذي التصق بها ليذكرنا بما حدث، نظرت إلى ملابس الجميع كانت ممتلئة بالوحل وكأن الأرض عمدتنا بطينها وأعادتنا إلى المدينة. لكن أم محمد حاولت مرة أخرى بعد يومين بلا يأس وأيضا فشلت. بعد أن اخذ داعش وثائقهم الثبوتية وأعادهم إلى المنزل. بهاتين الرحلتين اكتملت 19 ساعة من السير على الأقدام. حالة أم محمد الصحية وطفلها ليسا على ما يرام؛ فلا توجد مراكز صحية. رغم كل الوقت الذي مضى على التحرير وما زالت الحياة هنا تفتقد إلى الضروريات.

الآن علينا أن ننتظر الساعتين لنتأكد من حال الطفل.

وفي صباح اليوم التالي يبدو أن الأمور بخير فذهبت والدتي مع أم محمد إلى القابلة. أصبحت الساعة الآن 11:30 دقيقة صباحاً، ذهبت إلى منزلهم وعندما اقتربت رأيت أبتسامة الطفل الصغير ذو الثلاثة أعوام كان قد أشرقها عليّ. جاء مسرعاً وقال "ماما جابت بنية".

قبلت خده وابتسمت له،دخلت منزلهم فتأكد الخبر و قالوا إن الأم وطفلتها بخير، والولادة لم تكن صعبة كانت طبيعية. بامتنان تام لشجاعة أم محمد وطفلتها التى أصبح اسمها بالنسة لي "ناتالي" أي الولادة والحياة الجديدة.

صورة الطفلة الوليدة/تمارة العبيدي
صورة الطفلة الوليدة/تمارة العبيدي

بعد يومين ذهبت إلى منزل أم محمد لأبارك لها ورأيت ناتالي كم كانت جميلة وهادئة، نتمنى لك حياة رائعة. التقطنا لها صورة جميلة جداً.

أيتها الحياة رُزقت بطفلة جميلة وشجاعة جداً فاعتني بها.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

التعليقات

XS
SM
MD
LG