Accessibility links

Breaking News

الحياة في الأيسر بعد داعش


من أصواتكم - تمارة العبيدي

بقلم تمارة العبيدي:

أكتب لكم من الجانب الأيسر شرق الموصل. الساعة السادسة فجراً.

بدأ القصف في الجانب الأيمن، نعيشه معهم. ها نحن نمر به -مثلهم- لمرتين: مرة عندما كان يدور رحى المعارك هنا في الأيسر، والآن في الأيمن.

أصبحنا نعرف تفاصيل المعارك: النوافذُ تهتز، والأبواب تطرق، كأنها تُنذر بضيف استثنائي يأتي مع الفجر حاملا معه المجهول. إلى الآن، ورغم ابتعاد المعارك عنا عدة كيلومترات، ما زالت تُجفلني. ما زلتُ أستيقظ من نومي بحالة صدمة. ولكن بعد ثواني قليلة أستوعب ما حولي؛ فأنا لستُ وسطها. أعودُ بعد ثانية لأتذكر صديقتي هناك وأقاربي...

اليوم صوت التفجيرات أقوى وأكثر حدة، وكهولة منازل الأيمن لا تحتمل مثل هذا القصف.

نصف ساعة و5 دقائق والأصوات تتوافد من هناك.

* الساعة 1:00ظهراً

رائحة البارود تملأ المكان. خرجتُ إلى سطح المنزل أعمدة الدخان تتصاعد من الأيمن وأصوات المدافع وانفجار المفخخات.

حرب لعينة لا ذنب لنا بها.

*الجانب الأيسر

دخان الأيمن بدأ يغزو الشوارع. أجل الحياة مستمرة هنا؛ فأسواق الأيسر المحرر مزدحمة بالناس، والمجسرات التي تربط أحياء الجهة الشمالية الشرقية بالأحياء الاخرى عادت للعمل ببدائل جديدة -عندما دمر داعش هذه المجسرات، كان ينوي أن يعيق تقدم القوات المحرر لأيسر الموصل، لكنه لم يعلم أن العراقيين أهل البدائل!

فوراً، وبعد ساعات أو حتى أيام قليلة، وجد العراقيون بدائل بالقرب من المجسر الصغير المدمّر في شمال شرق الموصل: تم فتح طريق بدائي جداً مكون من الحصى والتراب فوق نهر الخوصر بعد استخدام أنبوب بعرض مرتين يسمح للماء بالمرور، فأصبح المعبر الرسمي للعبور، وبكل امتنان، وعاد الارتباط بين بقية الأحياء.

* في الجهة الأخرى المناطق تتحرر؛ واحدة تلو الأخرى. سيعود الأيمن قريبا. تذكرت قبل يومين حينما ذهبت إلى سوق الحي القريب منا، كان الجميع يتحدث عن هذه الحرب والجميع يشتاق إلى وسط المدينة. عندما تسأل أحد البائعين عن البضائع يقول لك: انتظر حتى يتحرر الأيمن، سنجلب من هناك كل شيء. فتنظر داخل المحل لترى كل شيء متوفر في الداخل، فتقول له: هنا يتوفر الكثير! فيلتفت إلى الداخل ليعود ويقول لك: لكن هذه ليست من باب الطوب والكورنيش والدواسة والساعة وباب البيض...من هناك سنجلب كل شيء.

* اقترب المساء وهدأت الحرب قليلاً. نعلم أنها لم تنتهي بعد؛ فالحربُ تستعد ليوم آخر. كأن اليوم ينقسم إلى نصفين: نصف للحياة وآخر للموت.

وتستمر الحياة؛ لأن فيها ما يستحق أن نعيشه.

وحتماً سنصنع أبجدية جديدة خاصة للحياة هنا: ستكونُ أكثر تماسكاً وصلابة، ستؤمنُ بالألوان والاختلافات، وتكون أكثر مرونة في تقبل الأفكار الإنسانية.

بعد أن تنتهي هذه الحرب سنكون أكبر عمراً، وأنقى قلباً وأكثر صفاءً، سنهتم بالتفاصيل الصغيرة ونعتنق جميع الأديان.

بعد داعش سنحترم الحياة ونجعلها أكثر بساطة، وحتماً سنحبها أكثر من الموت.

لنا أمل ٌ أن ينتهي الموت هنا ويدفن لنغتسل بماء دجلة ونكون أكثر إنسانية.

هكذا ينتهي اليوم مع أمل كبير في أن تنتهي الأمور بسلام.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

التعليقات

XS
SM
MD
LG