Accessibility links

Breaking News

طائرتي الورقية... وطائرات داعش المسيّرة


من أصواتكم - فارس السردار

مشاركة من صديق (إرفع صوتك) من الموصل فارس السردار:

في الماضي، كنا إذا جاء الصيف توجهنا بمصروفنا لشراء طبقات من الورق الأسمر، من النوع المخصص لتغليف كتب ودفاتر المدرسة، ولكننا لم نكن نشتريه لهذا الغرض؛ فالمدارس أغلقت ابوابها ونحن في عطلة صيفية. في الوقت ذاته، كنا نبحث عن بقايا المكانس القديمة المصنوعة من سعف النخيل لنستخرج من قبضاتها عيدانا نحيفة لها مرونة عالية. كنا نريد أن نصنع طائرات ورقية.

وعند حلول العصر، تجدنا توزعنا على أسطح المنازل في المحلة. كل منا يجر طائرته الورقية آملين استدعاء النسمة بما أتيح لنا من مساحة للاتصال مع السماء في بيوت قدر لها أن تكون متواطئة مع بعضها؛ ليسند كل منها جدار البيت المجاور. وما أن تحلق طائرتنا الورقية إلا ونكون قد حلقنا معها.

المتعة كانت في التحدي والتغلب على الظروف الصعبة المحيطة بكل التفاصيل منذ لحظة صناعة الطائرة الورقية حتى تحليقها في الجو وبقائها محلقة، بل راسخة بصدر السماء، تلاعب النسمات لأطول فترة ممكنة.

كان العالم بسيطاً وله حدود يتحرك وفقها العقل ويعمل بها. ومع ذلك، كنا لا نميل إلى القناعة كثيرا بل نصر على أن ثمة ما يكون ممكناً. لذلك علقنا بالخيط "فرنات" كأنها الفوانيس تتراقص بضوئها الملون على طول الخيط قد يبلغ عددها ثلاثة، تتأرجح في السماء بألوان أزرق وأحمر وأصفر ناشرة البهجة والتحدي لباقي أقراننا من الصبية إضافة لما تبدده من ظلام.

هذه الخبرات علمتها لأولادي فصنعوا طائراتهم الورقية. لكن ما تغير في زمنهم أن الطائرات باتت تباعُ جاهزة على شكل سبايدر مان، سوبر مان، بات مان، وبأشكال أخرى مثل نسر أو فراشة، وبألوان وأحجام مختلفة وبملمس بلاستيكي. هذه التصاميم أذهلتهم، لكن ما أذهلهم بقسوة هو ماريو والألعاب الإلكترونية التي اكتسحت مخيلتهم وهيمنت على عالمهم الذي لم يعد بسيطا بالنسبة لي بالمرة.

أحفادي اليوم يحدثوني عن طائرات مسيرة باللاسلكي أو ما يشبه "الجويستك" الخاص بألعاب الفيديو وبلا خيوط وبلا انتظار لنسمة هواء. وفي الوقت الذي تحلق فيه طائراتهم، تنقل لنا شاشة التلفاز أو التابلت أو الهاتف الذكي صوراً لمشاهد من أعلى؛ تصوّر أسطح بيوتنا، وحدائقنا، والشوارع المحيطة بنا وحركة العامة.

بعدما أنهى أحفادي حديثهم معي عبر الإنترنت وعدتهم بأني سأصنع لهم طائرة ورقية حالما نلتقي في البيت الذي ولد فيه آباؤهم عندما يأتون للزيارة من دار هجرتهم في الصيف القادم.

في الوقت الذي أنتظر فيه عودتهم، كانت واحدة من هذه الطائرات المسيرة التي حدثوني عنها تحلق في فضاء حديقتنا. نظرت إليها عبر زجاج نظاراتي فألقت شيئا ما هبط سريعا حجبه سياج الدار عني لكن ضجيج انفجاره عصف بسمعي وشظاياه طالت أغصان وأوراق شجرة الـ"يوسف أفندي" (اليوسفي) التي يحبها أحفادي.

الطائرات المسيرة تمنحنا روعة تأمل الطبيعة إلا أنها قد تقتلنا أيضاً إن حُملت بقنابل الموت. وهذا هو الفرق بينها وبين طائراتنا التي لم تكن تمنحنا سوى المتعة البريئة والشعور ببساطة الحياة التي أتمنى أن يمتلك أحفادي فرصة عيشها أيضاً.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

التعليقات

XS
SM
MD
LG