Accessibility links

Breaking News

نساء أصبحن دروعا لداعش - الجزء 2


من أصواتكم/تهاني صالح

بقلم تهاني صالح:

كنت في الجزء الأول من هذه المقابلات سردتُ قصة السيدة مريم خلف، ورحلتها من قريتها الحود نحو الموصل. قالت مريم:

بعد وصولنا إلى الموصل أسكننا داعش في حي اليرموك بالساحل الأيمن (الغربي) من مدينة الموصل. جاءوا بنا إلى هذا الحي، لم نكن نملك المال الذي يساعدنا على تأجير منزل مناسب؛ لهذا سكنّا في الطابق العلوي لمنزل امرأة عجوز وكان غير مكتمل البناء. لم يكن لدينا طعام أو ماء؛ فكنت أخرج يوميا في الصباح إلى الهياكل المفتوحة (منازل غير مكتملة البناء) وأجمع منها الخبّاز (نبات أخضر منتشر في العراق) وأجلبها لكي أقوم بطبخها لـ28 شخص كانوا معنا، فنأكلها مع الخبز إن توفر.

ابنها مريض، هي لا تقوى على الحراك، وقصف هنا وهناك. هي وعائلتها وأقاربها غرباء في مدينة يحاصرها الجوع والخوف من كل مكان. ظلت تتمنى الموت ولكنه لم يأتي.

ظلت مريمُ تعاني وتصارع الخوف والجوع والقهر وجهد توفير الطعام لعشرات حتى تم تحرير الحي قبل أيام. حيث وصلت القوات العراقية إلى الحي يوم 7 نيسان/أبريل 2017. ظلّت هي وبعض أهل قريتها -رغما عنهم- دروعا يحتمي بها عناصر لنحو ستة أشهر.

تقول مريم إن فرحها بالتحرير وخروجها بسلام من مدينة الموصل هو بمثابة ميلاد جديد.

هي الآن في قريتها. هناك حيث التعايش مع وجع آخر، وجع الماضي القريب وجروحه.

صمود بوجه الموت

"لم أكن أعلم أنهم قتلوا ابني، وهجّروا عائلتي"، هذا ما قالته السيدة عزيزة العسل (65 عاما)، وهي من ضمن السيدات اللواتي التقيت بهن.

تضيف "في يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر 2016، ومنذ الصباح، اخترق هدوء يومنا عويل ووصراخ وإطلاقات نارية. عرفتُ أن المشاكل قادمة، وفعلا حدث هذا؛ فقد اقتاد داعش ابني وليد (منتسب سابق في الجيش العراقي) ولم يأت إلى المساء. في الصباح عندما أخذه أفراد داعش قالوا: ساعة ويرجع. لكن المساء جاء ولم يرجع أحد. وأقدامي لا تحملني لأذهب وأرى ما الذي حدث".

"أصبحت القرية هادئة جداً لا صوت بها، وبردُ حديقة المنزل ينخر عظامي المتعبة جدا، والعطش والجوع أيضا؛ فقررت تحت هذا الظلام أن أدخل المنزل. حبوتُ على يديّ. وبسبب التعب والانتظار، أخذتني غفوة".

تكمل الأم التي ما زالت تستذكر تلك الأيام العصيبة بحسرة وألم "استيقظت في الفجر على صوت الرصاص وهو يخترق المنزل أو يرتطم بشيء ما. بقينا في خوف ورعب من كل شيء".

لم تكن السيدة عزيزة تدري أن عدم قدرتها على السير سينقذها من اختطاف داعش وإجبارها على أن تكون درعاً له ولعناصره في الموصل.

في جهة أخرى

في ظل الفوضى انقسمت العوائل بين من يحاول الهرب. أولئلك الذين كانوا خارج منازلهم لم يعودوا؛ إما هربوا أو اقتيدوا أو اختبأوا.

من بين هؤلاء كانت رازقية، زوجة وليد، وأطفالهما يحاولون الهرب خارج القرية ولكن ليس من مكان للهرب إليه؛ فاضطروا إلى العودة فتسللوا إلى أحد المنازل في القرية. اجتمع في ذلك المنزل أكثر من 50 شخصا، بينهم سبعة أطفال وأكبر طفل عمره سبع سنوات، كلهم محاصرون في منزل واحد.

قالت رازقية إن ​"عناصر داعش كانوا يعلمون بوجودنا وكانوا يرمون المنزل بالرصاص، حتى يجعلونا نشعر بالخوف لكننا لم نجرؤ على الخروج. جلسنا تحت درج المنزل لأنه الأفضل للاختباء. أحد الدواعش صرخ، وهو يعلم أن معظم من في هذا المنزل نساء وأطفال، قائلاً: سأقوم بقطع رؤوسكم واحدا واحدا".

"كان الرعب مسيطراً علينا. تذكرتُ خالتي عزيزة، ماذا حل بها وهي كبيرة السن ولا تستطيع السير؟ و وليد زوجي، ترى أين هو؟" أردفت رازقية.

ظلوا يومين من دون طعام ولا ماء قبل أن ينقذهم الجيش مما هم فيه.

عودة للسيدة عزيزة

تكملُ السيدة عزيزة ما حدث لها في البيت الذي كانت تنتظر فيه "بعد يومين سمعت أصواتا تختلف عن أصوات الرصاص، كانت كأنها حلم. ولكنها كانت أصوات جيشنا وهم يحررون قرية الحود. كان ذلك اليوم يوم الانتصار. فرحت بهم، وسألتهم عن وليد وأين هو؟ فكانت المصيبة أن داعش قتل وليد".

ما زالت السيدة عزيزة تبكي ابنها بحرقة الأم. أنظرُ إليها وأفكر: هل من مصيبة أكبر من أن تمتزج فرحة التحرير بخبر فقد الابن؟

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة

التعليقات

XS
SM
MD
LG