Accessibility links

Breaking News

بالصور.. بلدة موصلية تنتظر أهلها


من أصواتكم/تهاني صالح

بقلم تهاني صالح:

منذ ثلاثة أعوام، وأبوابها موصدة بوجه الحياة، وشوارعها فارغة بعد أن كانت تزخر بكل ما هو مبهج. لكنها اليوم خالية من أهلها.

برطلة البلدة الموصلية (21 كيلومترا شرق الموصل) كانت قد تحررت من داعش قبل أشهر. لكنها الآن وحيدة منسية إلا من حشائش الربيع؛ فهي مستمرة بالنمو وتغطية أرصفة شوارعها.

صور من بلدة برطلة شرق الموصل/تهاني صالح
صور من بلدة برطلة شرق الموصل/تهاني صالح

صور من بلدة برطلة شرق الموصل/تهاني صالح
صور من بلدة برطلة شرق الموصل/تهاني صالح

عندما دخلتُ وتلك اللافتة ترحب بي، ما كنت أتصور حجم غربة هذه البلدة، وخفوت ألوانها، وشيخوخة مبانيها.

دولاب الهواء

كان دولاب الهواء هو أول ما لفت انتباهي رغم الدمار المؤدي إلى عمق البلدة. كان هناك صامدا ينتظر أطفاله. دولاب الهواء لم تصبه الشيخوخة. مرّت لحظات خلتني سمعت صراخ الأطفال وفرحتهم عندما يعلو بهم نحو أطراف السماء.

محرقة السلام

صور من بلدة برطلة شرق الموصل/تهاني صالح
صور من بلدة برطلة شرق الموصل/تهاني صالح

أكملت رحلتي باتجاه كنيسة ماركوركيس. من بعيد لمحت بناءها الضخم منتصب القامة، مكتمل الملامح إلا من صليبها، فتذكرت داعش. ترى ماذا فعل التنظيم بهذا الكنيسة؟

سرت نحوها ورهبة وقداسة المكان حاضرة ولم يدنسها السواد. كان الباب الخارجي مفتوحا فدخلت من دون وعي باتجاه مدخل الكنيسة الخشبي.

لم يحترق مجسم الحمامة التي تحمل غصن الزيتون على مصراع الباب اليسار، لكن حمامة اليمين لم تنجو.

صور من بلدة برطلة/تهاني صالح
صور من بلدة برطلة/تهاني صالح

وقفت في الباب لعل الأجراس تقرع لكن الصمت لم يفارق المكان. لا ضوء في الداخل، ولا ترانيم ولا أناشيد، فقط ظلام بفعل الحريق الذي أشك أنه ترك شيئا للحياة.

كيف لداعش أن يكون بكل هذا الحقد، وأن لا يتوقف قليلا ليسمع تلك الأجراس وهي تقرع؟

كيف له أن يذل المدن هكذا بتهجير أهلها وإسكات أحلامهم؟ لا أصعب من أن يترك الأهالي مدنهم.

في الكنيسة كان كل شيء محترق إلا بعض الأشياء الصغيرة، تخيلتها وهي تحاول الهرب بعيدا عن النيران فنجح بعضها، واحترق الآخر.

قاعة الاحتفالات

بعد أن رأيت جدران الكنيسة وقد شوهتها نيران داعش، عبرت باتجاه الباب الجانبي إلى ممر تحيطه أشجار الزيتون نحو قاعة الفرقة الموسيقية التي كانت برطلة تشتهر بها. في طريقي هذا رأيت الكثير من أشلاء من الكتب المقدسة متناثرة على الممر، بعضها احترقت والبعض الآخر ممزق تحت أشجار الزيتون.

صور من بلدة برطلة شرق الموصل/تهاني صالح
صور من بلدة برطلة شرق الموصل/تهاني صالح

بهدوء دخلت القاعة فكانت هي الأخرى صامتة وفي وسطها كرسي وحيد، يقبع أمام صورة لسيدة جميلة مكتملة الملامح.

القاعة خالية إلا من الرماد والتراب الذي تكدس بفعل الأيام. كان هناك باب مفتوح بحياء ليترك بعض النور يدخل القاعة.

تركت كل شيء على حاله وأنا أفكر بمصير تلك الآلات الموسيقية، التي كانت تبعث الفرح و ترتب ترانيم الأطفال والسيدات الجميلات وهم ينشدون ألحان الحياة.

إسكات الفرح

صعدت بعض الدرجات نحو الطابق العلوي، داخل قاعة المسرح، فكانت هناك مجزرة ألحان وموسيقى، كل شيء محطم، كل شيء مدمر و مبعثر، إعصار داعش وحربه لم يرحم شيئا. شعرت بالاختناق وكأن تلك الآلات جثثا هامدة، فخرجت إلى الفناء لأرى بقايا مفخخات داعش والمعمل الذي كان يصنع الموت.

صور من بلدة برطلة شرق الموصل/تهاني صالح
صور من بلدة برطلة شرق الموصل/تهاني صالح

لاح أمامي جبل برطلة. كان صامدا هو الآخر لأجل شمسها التي تعلو من خلفه.

برطلة يا بلدة الألوان سيعود أهلك إليكِ. حتما هذا ما سيحصل يوما ما.

خرجت من برطلة واللافتة التي رحبت بي قبل ساعات أصبحت خلفي لكنها لم تودعني. هكذا هن بلدات مدينتي لا يودعن أحداً؛ فهن يكرهن رحيل سكانها.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة

التعليقات

XS
SM
MD
LG