Accessibility links

Breaking News

عازف الكمان في الموصل: أي شخص يكره الجمال فهو داعشي


من أصواتكم - عمر الحيالي

بقلم عمر الحيالي:

أقام عازف الكمان الموصلي أمين مقداد وقفة لعزف مقطوعات على الكمان فوق تلة النبي يونس، وعلى بعد نحو ألفي متر من الساحل الأيمن حيث تقوم القوات الأمنية العراقية بعمليات عسكرية لتحريره من سيطرة تنظيم داعش.

في تموز 2014، فجر تنظيم داعش مرقد وجامع النبي يونس بعد تفخيخه وحوله إلى ركام، ويقع المرقد فوق تلة التوبة التي يعتقد أن الحوت التي ابتلعت النبي يونس ألقته فوقها، وتحتها يقع قصر الملك الآشوري سرحدون.

بعد أن أنهى عزف إحدى مقطوعات نفخ من فمه بعد أنفاس حبسها ليركز مع أوتار آلته الموسيقية، أجاب على سؤال لي بالقول "داعش لا يمثل فكرة دينية بل فكراً أيديولوجياً كارهاً للجمال والحياة".

العازف أمين مقداد في الموصل/إرفع صوتك
العازف أمين مقداد في الموصل/إرفع صوتك

عدد من شباب والشابات من أهالي الموصل وقفوا لمشاهد أمين وهو يعزف، فهذا حدث ليس عاديا في مدينة كان داعش يفرض قوانينه فيها لأكثر من عامين ونصف، بل فجر هذا المكان بالرغم من كونه جامعا للمسلمين ومرقدا لأحد الأنبياء.

"هذا المكان ليس حكرا لحضارة معينة فقد كان قصراً آشورياً ثم معبدا يهوديا ثم ديرا مسيحيا ثم جامعا، فهو ملك للجميع"، قال أمين.

عزف أمين تحت أقواس المرقد التي اقتلع التفجير حجر الرخام الموصلي الذي كان يزينها بنقوشه، ثم حمل كمانه ووقف على درجات إحدى البوابات فعزف مقطوعة أخرى، قبل أن يجلس مع ريتاج الطفلة الموصلية ذات الأربع سنوات ليعزف لها.

العازف أمين مقداد في الموصل/إرفع صوتك
العازف أمين مقداد في الموصل/إرفع صوتك

رسالتي

ارتدى أمين قميصاً قطنياً أبيض مكتوب عليه (أنا نينوى) بالخط المسماري.

قال أمين "الرسالة التي أوجهها من اختياري للمكان أكبر من أن أعبر عنها بكلمة أو جملة، وهذا المكان يشبه قمراً صناعيا ممكن أن يبث لأي مكان في العراق؛ لأنه مركز حضاري عميق مكوّن من أكثر من طبقة من الحضارة الآشورية إلى عصرنا الحالي، حتى داعش تركت آثارها هنا بهذا الدمار".

وأضاف وهو يتبادل التحايا مع أصدقاء له من داخل الموصل الذين أتوا للسلام عليه "هذا هو أفضل وأنسب مكان لتوجيه صفعة إلى فكر الإرهاب وفكر ثقافة القبح والموت. وأعتقد أن ما نفعله اليوم ممكن أن يكون أقوى من ضرب الرصاص، لأنه لا مشكلة عند داعش إذا ماتوا أو تحولوا إلى اشلاء، لكنهم لا يستطيعون العيش مع الجمال لأنهم يكرهون الحياة بشكل عام، بينما يحب الناس الجمال والحياة".

تشعر عندما تسمع مقطوعات أمين بالتاريخ يمر أمامك: وكأن الآشوريين مروا من هنا ينادون لبناء مملكتهم ومحاربة أعدائهم بعرباتهم، وكأن الديانات تنادي على مؤمنيها بأن هلّموا إلى الصلاة، وصولاً إلى أصوات تفجير المكان الذي حوله إلى قطع من الحجارة تعثّر بها كثيرون ممن تابعوا أمين وهو يعزف.

"عزفتُ مقطوعات ألفتها داخل الموصل عندما كانت تحت سيطرة داعش، ومقطوعات ارتجلتها من الطاقة التي منحها لي المكان وآلامه، وعمقه أوحى لي بأن أستبدل الكلمات بالموسيقى". قال أمين قبل أن يضيف "داعش حرمنا الحياة، والموسيقى بالنسبة لي هي روح الحياة. كان مجرد العزف هو استكشاف للذات، هو تأكدي بأني أعيش وهناك موسيقى داخلي".

تهمة الجنون أنقذتني

ما يزال أمين يستذكر آلام ما مرّ به تحت سيوف داعش؛ فذاكرة الألم ما زالت غائرة في ذاكرته،. وبالرغم من أنه بعد تحرير منطقته توجه إلى بغداد كي يخرج من أزمته أو جراحه لكنه عاد إلى مدينته ليعزف مقطوعاته التي ألفها في ظلام داعش حيث كمانه الذي كان أفضل ونيس له ليتخطى سنوات الألم.

سألته بعد كل هذا الخراب الذي حل بالموصل من تعتقد انتصر، فرد مبتسما "نحن من انتصر على داعش، لأنه بالرغم من كل التخريب الذي قام به لكنه طال الجماد ولم يخرّب الروح التي بداخلنا".

تهمة "مس الشيطان" أنقذه من إقامة الحد عليه، يقول مبتسما "داهموا منزل والدي في الموصل حيث أسكن وبقوا لثلاث ساعات داخله يحققون معي لشكوك وتهم كثيرة منها التعاون مع الحكومة أو ممارسة أفعال محرمة حسب تعليمات التنظيم، وهي الموسيقى. بعدها قالوا بأني ممسوس وداخلي شيطان وأحتاج إلى رقية لإخراج ذلك الشيطان".

وتابع "صعب أن أحصر حلمي بشيء واحد لكن إعمار الأرض ونشر الجمال وجعل العالم مكانا أجمل على رأسها. داعش يكره الجمال وليس هو فقط بل الكثير من الناس، وممكن أن يكون هذا مُرَشِح أن أي شخص يكره الجمال فهو داعشي وإذا سكت عنه وتركته سيوصلك إلى نفس المرحلة التي كنا فيها والظاهرة خلفنا"، مشيراً بيده إلى جامع النبي يونس حيث الخراب يعم المكان.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة

التعليقات

XS
SM
MD
LG