Accessibility links

بقلم صافيناز مرشد:

عرضت قناة (سي أن أن) منذ فترة تقريرا عن ثلاث فتيات سعوديات اخترن اللجوء، أو البقاء، في الولايات المتحدة. لم يذكر التقرير الكثير عن خلفيات الفتيات. اكتفى بالسرد بشكل مجمل على ألسنتهن عن صعوبة المعيشة في السعودية في ظل حق الوصاية الذي يقيد الكثير من الحريات.

بغض النظر عن الدوافع الحقيقية خلف هروب الفتيات، اللواتي تحدثن بإنكليزية ممتازة ولهجة متقنة تدل على ثراء خلفياتهن، فقد أثار التقرير حفيظة الكثير من السعوديين، وخاصة السعوديات. فكثرت على مواقع التواصل الاجتماعي الردود بشأن اختيار العيش في السعودية طواعية. لم أكن بمنأى عن هذا التفاعل وأدلوت بدلوي؛ فأنا ممتنة للفرصة التي وفرتها لي بلدي للدراسة والتعلم في الخارج. وفي رجوعي لبلدي إقرار مني بالامتنان لهذه الفرصة، والرغبة في المساهمة الإيجابية في المجتمع، ما استطعت.

بعد أسابيع، أحيت صديقة لي من أميركا اللاتينية ذكرى هذا التقرير. وقعت يداها عليه أثناء بحثها في الإنترنت فسارعت بإرساله لي مطالبة برأيي، منتهزة بذلك الفرصة لتجديد سؤالها لي: أسعيدة أنت برجوعك؟

تردد على سمعي كثيرا هذا السؤال، كغيري من بنات وطني اللواتي واتتهن الفرصة للعيش في الخارج، وخاصة المبتعثات للدراسة. حالهن كحالي، لم نجد في الالتحاق ببرنامج الابتعاث فرصة للدراسة فحسب، بل فرصة للعيش باستقلالية بعيدا عن حزمة قرارات تفرضها عادات وتقاليد أقوى من الدين، غالبيتها صنعناها بأيدينا.

في معيشتي في الخارج هنئت باستقلاليتي. تعلمت المسؤولية وأحببت الاعتماد على نفسي. تخليت عن مظاهر الترف التي تفرضها أحيانا المعيشة في السعودية. قنعت باستئجار شقة صغيرة والقيام عليها. ركبت الباص والمترو. استمتعت بالمشي في الشوارع لساعات طويلة والحديث العابر مع غرباء من الجنسين من دون ريبة. حظيت باختيار مصادر الترفيه عن نفسي بصورها المختلفة. حبست نفسي في الأيام الماطرة في المقاهي والمكتبات العامة. وأطلقتها في الحدائق في الأيام المشمسة. لم أتحرج من تناول وجبة لوحدي في مطعم أو حتى على مقعد في شارع.

في لحظة صدق مع نفسي أجيب: لم يكن الرجوع سهلا؛ فالمعيشة في السعودية معقدة لأسباب يصعب اختزالها في سطور قليلة.

نعم، ينادي الكثير بالحريات وبحقوق قيادة المرأة للسيارة ورفع الوصاية وكلها مطالب شرعية قد تكون أساسية للبعض. وإلى أن تأتي، بالنسبة لي وبعيدا عن تعقيدات الأمور السياسية، سأظل أتذمر من الطقس والفوضى والملل. وسأظل أحن إلى بساطة العيش. فالكل يبحث عن الحرية، وتلك كانت حريتي.

عن الكاتبة: صافيناز مرشد، كاتبة سعودية تكتب باللغتين العربية والإنكليزية. حاصلة على شهادة الماجستير في إدارة الموارد البشرية. تعمل أخصائية تخطيط استراتيجي وإدارة مشاريع.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

آراءكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG