Accessibility links

الإسلام بعد داعش... أين الاعتدال الديني؟


من أصواتكم - سرمد الطائي

بقلم سرمد الطائي:

أتلقى تعليقات استغراب، أو سخرية، كلما قلت إن هناك إسلاما معتدلا يختلف عن داعش وعن شبيهاتها المنتمية إلى كل المذاهب. وأريد الخوض في هذا قليلا مع الطرفين: أصدقاؤنا العلمانيون وأصدقاؤنا الإسلاميون.

ويستسهل العلمانيون اليوم القول إن داعش "فضحت الإسلام" وعلى هذا الدين أن يختفي! وبنفس درجة الاستسهال يقول الإسلاميون إن داعش لا تمثلهم، و"يقلبون صفحة" بسهولة -متناسين الحدث الخطير- ويعودون لتلاوة التراتيل ذاتها!

إن الطرفين بحاجة إلى مراجعة آرائهما.

المقارنات الرائجة بين الأديان تتناسى أن حمورابي البابلي وقوانين الرومان والفرس كانت تتبنى سياسات مشابهة في العقوبات، يوم كان الاقتصاد الدولي قائما على الغنيمة الحربية من دون أساليب انتاج كافية، ومن دون تقدم كبير في الفكر السياسي والإداري.

ومن الناحية العملية، فإن المسلمين وباقي أتباع الديانات المقاربة، التزموا خلال القرن الأخير -على نطاق واسع- بالحداثة التي طالت وجه التاريخ. صاروا لا يتعاطون في أمور الاستعباد وسبي النساء. وتخلوا في الغالب عن العقوبات الجسدية مثل قطع الأيدي والرجم. سوى أن هناك أجنحة متشددة تمتلك السلطة هنا وهناك، تستعيد القوانين التي تنتمي لتاريخ الصراع الفارسي والروماني والإسلامي. وهو شذوذ واضح عن إرادة التيار الأوسع الذي يريد التمسك بالمواثيق الدولية الحديثة، بحسب ما أتاحت له ظروف الاستقرار أو ويلات الدمار المتفشية في دول العالم النامية.

لكن وعلى الطرف الآخر، ينبغي للإسلاميين أن يعترفوا كذلك بمدى خطورة الماضي الذي يُسهل ولادات متطرفة من بغداد إلى مراكش، ومن إسطنبول إلى طهران ومكة. وذلك ما يتطلب جهدا بقي منقوصا حتى الآن.

ويدرك المهتمون بمتابعة التحولات الفكرية لدى الفقهاء والباحثين المسلمين، وجود تيار يتمسك بالماضي ويكابر رافضا أي تحديث حكيم في المواقف العقائدية والفقهية. لكننا ندرك كذلك وجود مفكرين مسلمين لديهم الشجاعة كي يغامروا بسمعتهم ومصالحهم وإيمانهم الرسمي ليبتكروا مناهج متجددة، توضح أن في وسع أمة الإسلام أن تنخرط في العصر الحديث وقوانينه المتماشية مع المبدأ الأخلاقي، وقواعد العدالة المعترف بها في عموم الديانات السماوية.

وخلال 150 عاما مضت، يمكننا أن نلاحظ جهودا بطعم المغامرة خاضها فقهاء ومفكرون مسلمون من كل الطوائف. وركز هؤلاء على قضايا تمس التنمية الإنسانية؛ فدعموا تعليم المرأة الحديث وتسنمها مواقع في المحاكم والإدارات العليا، وحاربوا عقائد التكفير، وسهّلوا التعامل مع باقي الأديان والأمم، ودافعوا عن حرية الفكر بإلغاء حكم تقليدي يفتي بقتل "المرتد فكريا"، ثم تصالحوا مع الفنون والآداب، وأطلقوا حوارات مع العلمانية وشراكات مع مدارس الفلسفة والاجتماع المختلفة عنهم.

لن يتسع هذا المقال لسرد أمثلة وأسماء، لكنني أختمه بملاحظة تستحق من أنصار التحديث انتباها استثنائيا: إن داعمي الاعتدال داخل أروقة الفكر الإسلامي يتعرضون لهجمات عنيفة من متشددي المسلمين، وهم في الوقت نفسه يتعرضون لهجوم وتجاهل من "متطرفي" العلمانية. بينما لا يمكننا تصور مرحلة ما بعد داعش -كمحطة تطرف خطيرة ستتجدد مرارا- إلا بتعاون بين المسارات العقلانية في الدين وخارجه. وقد سبقتنا أوروبا والغرب إلى تعاون مشابه أدار الخلافات بنحو مفيد، وتوصل الجميع إلى المستوى الأدنى المقبول من التعايش بدل تبادل اللعنات والاتهامات، التي تضعف نهج العقلانية ويستفيد منها مجانين من جميع المذاهب والمشارب.

إن هذا النوع من المناقشات ليس إلقاءً باللائمة على "علمانيين يتطرفون ويتجاهلون" بل يحاول أيضا تنبيه "الاعتدال الديني" إلى ضرورة أن يحقق تقدما أكبر في التعبير عن مواقفه، وأن لا يبقى مترددا تحت ضغط جمهور متعصب أو مراكز قوى مندفعة؛ إذ لم يبق وقت كثير لـ"درء المفاسد" خلال لحظة انهيار أخلاقي وتصادم عقائدي يجتاح مجتمعاتنا.

نبذة عن الكاتب: سرمد الطائي، كاتب عراقي من مواليد البصرة، خريج المركز الدولي للدراسات الاسلامية في ايران – قم. كاتب وصحفي منذ عام 1997، عمل في قناة الحرة عراق في بغداد من 2004 إلى عام 2007. معلق سياسي وكاتب عمود “عالم آخر” في جريدة المدى.

لمتابعة سرمد على فيسبوك إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

XS
SM
MD
LG