Accessibility links

أين ذهبت (نساء الدواعش) بعد تحرير الموصل؟


من أصواتكم - إبراهيم الحريثي

بقلم إبراهيم الحريثي:

لست هنا في موقف الدفاع عن (نساء الدواعش) في الموصل أو إيجاد مبررات لانتماء آبائهن أو إخوانهن أو أزواجهن أو أبنائهن، فالكل متفق على أن هذا التنظيم هو تنظيم مجرم جاء لتخريب البلاد وإفساد العقول بأفكار متطرفة لا تمت للدين بأي صلة، لكننا لا ننسى أيضا أننا نعيش في مجتمع شرقي تكون السطوة والأمر والنهي للرجال في الغالب الأعم .

لكنني أحببت أن أسلط الضوء على فئة من النساء هنّ المغلوبات على أمرهن من (نساء الدواعش) واللاتي يشكلن نسبة غير قليلة إن لم تكن كبيرة جدا، إذ أنني أسمع وأتابع يوميا أخبار عنهن: فلانة تطلقت لأن أخوها أو أبوها من الدواعش. فلانة ترملت وهي ما تزال صغيرة لم تصل الـ18 سنة. فلانة تركت زوجها وعادت إلى أهلها لأنه من الدواعش. فلانة هجرها زوجها الداعشي ولا تعلم عنه شيئا منذ أشهر.

صحيح أن (نساء الدواعش) عشن فترة ترف لم يكنّ يحلمن بها خلال فترة احتلال الموصل؛ فسكنّ أفخر البيوت في المناطق الراقية، وكنّ الوحيدات تقريبا اللاتي يتسوق ما يشتهين من المأكل والملبس والمستلزمات المنزلية، وكنّ يتنعمن بالكهرباء والغاز والكاز والماء في وقت تغرق فيه نساء الموصل بالفقر والعوز والمرض وشحة في المشتقات النفطية والخدمات الأخرى نتيجة سرقة أفراد التنظيم لكل خيرات المدينة وتوزيعها على عناصره ومؤيديه.

إن (نساء الدواعش) حصلن على كل هذه المزايا مقابل سكوتهن على انتماء ذويهن للتنظيم. تواصلت مع إحداهن لتروي لي حكايتها. تقول (أم أيمن) "انتمى ابني أيمن إلى التنظيم نتيجة فقره الشديد فعارضته وطردته وزوجته وطفليه من منزلنا لأنه جلب لنا العار. لكني بعد مدة أعدته إلى منزلي لأن راتب تقاعد والده المتوفي انقطع عنا ولم يعد لي معيل إنا وإخوته الثلاثة. تحملت كلام الناس ونظراتهم لي كون ابني داعشي لكنه كان يعيلنا جميعا. وفي النهاية، لم يتبق من ابني سوى هوية الأحوال المدنية التي جلبها أحد زملائه بعد أن قتل. انتقلنا أنا وأطفالي وزوجته وطفليه إلى بيت مهجور بعيدا عن كلام الناس وخوفا من مسائلتنا بعد تحرير الساحل الأيسر".

كان (نساء الدواعش) يشعرن باختلاف معاملة باقي النساء لهن من خلال نظرات الحسد والحقد في عيون نساء الموصل، ومن خلال ابتعاد غالبية النساء عن الاختلاط بهن قدر الإمكان؛ إذ كان أغلب النساء من أقربائهن يختلقن آلاف الأعذار لعدم التواصل معهن أو زيارتهن إلا في المناسبات، وأغلبهن كنّ يتواصلن مع مثيلاتهن من (نساء الدواعش). كان الترف الذي عشن فيه يقل تدريجيا مع بدء المعارك وقلة موارد التنظيم وسقوط أعداد كبيرة من الدواعش بين قتيل وجريح ومعاق.

كان الأسوأ بانتظارهن كان مع دخول قوات التحرير للموصل؛ إذ شعرت أغلب (نساء الدواعش) بأن النهاية اقتربت وأن مصيرهن سيكون مجهولا ومظلما. ومع كل حي يتحرر، كان العشرات منهن يتحولن إلى (أرملة أو يتيمة أو أم لقتيل أو جريح أو معاق)، هذا فضلا عن هروبهن بين ليلة وضحاها إلى بيوت أو احياء جديدة وسقوط أعداد منهن قتلى نتيجة قصف التحالف الدولي الدقيق لأماكن تواجد الدواعش ومقراته وقياداته.

أما عن وصمة العار فستكون في مناداتهن باستخدام كلمة (دواعش)، وهي أبرز ما ستعاني منه (نساء الدواعش) بعد تحرير الموصل وستكون الكابوس الذي يلاحقهن إلى الممات. من سيقبل التعامل معهن؟ ومن سيتزوج منهن؟ ومن سيمنحهن فرصة عمل؟ ومن سيعيلهن ويطعم ويكسي أطفالهن الصغار؟ ومن سيؤجر لهن مكاناً يسكن فيه؟ والأهم من ذلك كله، كيف سيخلصن من صيحات الانتقام التي تتعالى من عوائل المتضررين من جرائم داعش وهم كثر؟

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

آراءكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG