Accessibility links

بقلم حسين الوادعي:

"هؤلاء لا يمثلون الإسلام". عبارة نسمعها كثيرا كلما حدث عمل إرهابي، أو صدرت فتوى شاذة، أو برزت جماعة متعصبة. لكن العبارة نفسها إشكالية وغامضة وقد تتحول من دفاع عن الإسلام إلى اتهام غير مباشر للإسلام نفسه!

المعضلة الأولى التي تطرحها العبارة هي:

هل المشكلة فقط أن هؤلاء الإرهابيين والمتطرفين "لا يمثلون الإسلام"، و تنتهي بمجرد تبرئة الدين؟ أم المشكلة أن الآلاف يقتلون يوما بعد يوم وباسم الإسلام؟!

إن تحويل مشكلة الإرهاب إلى قضية صراع حول "براءة الإسلام" سلوك غير مسؤول؛ لأنه يصرف الأنظار عن المشكلة الرئيسية وجذورها. ويورطنا في مشكلة مخترعة هي "الدفاع عن الإسلام". وهي مشكلة مخترعة لأنني لم أسمع عن أي غربي قال إن الإسلام هو المسؤول عن الإرهاب، باستثناء بعض فصائل اليمين المتطرف.

وللأسف، فإن من وضع الإسلام في قفص الاتهام هم المسلمون الذين يقفزون بعد كل عملية انتحارية ليؤكدوا أن المسلمين ليسوا إرهابيين، وإن لم يتهمهم أحد!

المعضلة الثانية:

استحالة وجود دين خارج المتدينين!

فالمسيحية هي ممارسات المسيحيين. واليهودية هي ممارسات اليهود. والإسلام هو ممارسات المسلمين. الاعتقاد بوجود نقي وخيالي للدين في "النص الخام" مجرد وهم؛ فالنص الديني يتعرض للتفسير والتأويل ما إن يبدأ المؤمنون بممارسة تدينهم.

هل هناك إسلام خارج الممارسات التي عرفناها في دولة المدينة وحكومة الراشدين ثم دول الملك العضوض الأموية والعباسية والعثمانية والمملوكية ثم ممارسات المسلمين المعاصرين؟

إن أسباب التطرف الديني داخل الدين وليست خارجه، ولا يمكن أن تظهر تطبيقات متوحشة لدين ما من دون وجود جذور لها في هذا الدين أو ذاك.

وعزل ممارسات أتباع دين ما عن تعاليمه مجرد محاولة اعتذارية تبريرية للتغطية على أزمة التجديد والاجتهاد التي يحتاج لها الدين كلما سقط في حالة الجمود.

المعضلة الثالثة:

إنه لا يمكن فصل النص عن التطبيق، ومهما تم تحريف التطبيق فإننا لم نسمع عن تحريف يصل إلى مئة بالمئة.

لنبتعد عن الدين قليلا ونفكر في الأيديولوجيات "البشرية"، كالشيوعية مثلا.

هل يمكن القول إن المذابح الجماعية التي قام بها ستالين وماو ونظم الحكم الشمولي المتوحش التي ظهرت في كل تجارب التطبيق الاشتراكي تقريبا لا علاقة لها بالشيوعية الحقيقية؟ أم أن أخطاء العنف والحكم الشمولي كانت كامنة في الأيديولوجيا الأصلية نفسها، باعتبارها تؤمن بامتلاك الحقيقة المطلقة والطريق الوحيد لسعادة الإنسان؟

إذا طبقنا نفس منطق "لا يمثلون الإسلام"، فسنقول أيضا: إن الشيوعيين لا يمثلون الشيوعية، والرأسماليين لا يمثلون الرأسمالية. وإن الشيوعية أو الرأسمالية الحقيقية النقية الصافية ما زالت هناك في النص لم تطبق بعد!

المعضلة الرابعة:

إن النص دائما ما يكون جميلا لكن العبرة في التطبيق. والدين، أي دين، ليس النص وإنما التطبيق البشري لهذا النص.

وعندما يفشل التطبيق قرنا إثر قرن، وجيلا إثر جيل، فهذا قد يعني أن التطبيق خاطئ، لكنه قد يعني أيضا أن النص نفسه غير قابل للتطبيق! وعندما يعجز أتباعه عن فهمه الحقيقي طوال هذه القرون فهذا قد يعني أن فهمهم قاصر. لكنه قد أيضا يعني أن دينهم غير قابل للفهم!

والإصرار على أن تطبيقات الإسلام خلال 1400 سنة لا تمثل الإسلام "الصحيح" هو اتهام للنص بالعجز قبل أن يكون اتهاما للتطبيق بالخطأ.

وهذه نتيجة خطرة، لأنها تعني -إذا صدقناها- أن الإسلام دين "فوق- بشري" وغير قابل للتطبيق من قبل بشر لهم عيوبهم وأطماعهم؛ وأنه لن يطبق إلا في حالة وجود بشر لهم صفات الملائكة بلا عيوب، ولا أطماع، ولا نقاط ضعف.

دعونا نجري تجربة بسيطة لعبارة "لا يمثلون الإسلام":

مَن مِن الجماعات أو المجتمعات أو الدول تعتقدون إنها تمثل الإسلام الحقيقي في عالم اليوم أو في الماضي؟

الجواب: لا أحد!

والسبب أننا نتخيل وجود جوهر مثالي للإسلام غير موجود في النص، ولا في التجربة التاريخية، ولا في الحاضر. ولا حتى في المستقبل.

حتى تجربة الخلافة الراشدة والصحابة ستخرج من الحساب إذا أخذنا في الحسبان قتل الصحابة لبعضهم البعض، وصراعهم على السلطة والمال!

لا يوجد دين جيد بذاته أو سيء بذاته، وما يحدد ذلك هو ممارسة المتدينين لهذا الدين.

ماذا بالنسبة لداعش والقاعدة ومثيلاتها؟

إذا قلنا إنها تمثل الإسلام "حصريا"، أو إنها تمثل الإسلام الحقيقي، ففي هذا ظلم لدين أثبت قدرته على تبني قيم التسامح والتعايش والسلام في فترات مهمة من تاريخه.

والقول إنهم لا يمثلون الإسلام هو ليس صحيحا؛ لأن كل ممارساتهم تستند إلى أصول وفروع العقيدة والفقه والتجربة التاريخية الإسلامية وممارسات الصحابة والتابعين.

وأعتقد أن التوصيف الصحيح لهم: إنهم يمثلون فهما معينا للإسلام؛ انتقل من الجمود إلى التشدد، ومن التشدد إلى التوحش.

كما أن الصوفية والسلفية والإخوانية والقرآنيين والوهابية هي تمثيلات مختلفة للإسلام تمثل تفسير كل جماعة لتعليمات الإسلام.

لا يوجد دين خارج المتدينين.

وتكرار مقولة "لا يمثلون الإسلام" يعني أن المسلم الأول لم يوجد بعد على هذه الأرض!

عن الكاتب: حسين الوادعي، كاتب ومحلل من اليمن، يعمل خبيرا في مجال الإتصال التنموي والتدريب الإعلامي مع عدد من المنظمات الدولية. ينشر مقالاته في عدد من الصحف والمنصات الإلكترونية العربية ،كما ينشر تحليلات معمقة للوضع اليمني. يهتم بقضايا الإرهاب والعلمانية والطائفية والتدين وتجديد الفكر العربي وتحولات الوضع السياسي بعد الربيع العربي. لديه اهتمام خاص الشباب وتهيئة منصات تنويرية للتخاطب معهم.

لمتابعة حسين الوادعي على فيسبوك إضغط هنا. وعلى تويتر إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

آراءكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG