Accessibility links

بقلم حسناء بو حرفوش:

عزيزتي الأم.. تقع على عاتقك اليوم مسؤولية كبيرة، بموازاة المؤامرات التي تحاك ضد الإنسانية، فلا بد لك من العمل على جبهتين: الأولى، تأسيس جيل جديد يحترم المبادئ والقوانين. والثانية: منحه المناعة ضد مرض التطرف؛ عن طريق تنمية قدرته على التمييز بين الاجتهادات الصحيحة وتلك المغلوطة. إن مسؤوليتك اليوم أكبر من أي وقت مضى، وهي تكبر بالتزامن مع بروز مشاكل اجتماعية جديدة تشكل بيئة حاضنة للراديكالية والتطرف بأشكاله المتعددة.

يجادل علماء الاجتماع بأن لبّ التطرف يكمن في الشعور بعدم المساواة. وإذا راقبنا شكل الأسرة عن قرب، يصبح كل شيء أكثر وضوحا. فلنأخذ على سبيل المثال اهتمام الوالدين بأحد الأطفال دون أخوته. لن يصبح هذا الاهتمام مصدر تهديد إلا مقابل التقصير المبالغ مع الولد الآخر؛ وهذا الأمر يؤدي إلى ردة فعل عند الطفل المهمل الذي يترجم شعوره بالغبن: بالغضب أو بالانزواء. فلنطبق هذا المثال على شكل المجتمع، والذي تمثل الأسرة صورته المصغرة. إن إلحاق الغبن والظلم بفئة دون أخرى، من شأنه دفع الفئة التي تشعر بالظلم إلى اتخاذ مواقف تؤدي بالنتيجة إلى نشوء التطرف.

النقطة الثانية التي لا بد لكِ التنبه إليها هي: ما يتابعه أطفالك عبر التلفاز والوسائط الأخرى؛ فبسبب هذه الوسائل بات الإرهاب على مسافة نقرة واحدة. ولذلك عليك مراقبة الصداقات التي يبنيها طفلك، بعيدا عن الإيمان الأعمى بفكرة أن الأطفال لا يفهمون. على العكس، الأطفال يستوعبون كل ما يحيط بهم، ويتشربون، كما الإسفنج، كل ما يتعرضون اليه. إن التقليل من دور وسائل التواصل بحد ذاته عامل مساعد على التطرف حيث لا يجد الأطفال رقيبا ولا مرشدا في صورة الأهل.

عزيزتي الأم، إن جهادك الأكبر يبدأ داخل أسرتك الصغيرة، فلا تتركي مكانا للعنف ولا للغضب. والأهم من ذلك: لا تفسحي المجال للغيرة؛ فهي التي فرقت قابيل وهابيل في بادئ الامر. اختبري كل شيء مع أطفالك، ولا تخفي عنهم صورة العالم الحقيقية خوفا على مشاعرهم؛ فقصص الأطفال تضج ملء خيالها بواقع مرير. أنظري إلى قصة ليلى والذئب وسطّري فيها مع طفلك التحذير من الغرباء فاقدي الهوية: أليس الذئب داعشيا حين يتقمص صورة الجدة الحنون (التي تختصر في سياق آخر القيم الإنسانية والدينية) ليظفر بغنيمته؟

عزيزتي الأم.. احرصي أخيرا على أن تربي جيلا يسأل. نعم، يسأل حتى لا يحكم بجهل على الأمور، ويطلق افتراضات من دون العودة لأهل العلم؛ لأن مجموعة المتطرفين التي تهدد العالم حاليا تنساق من دون أن تسأل خلف عناوين ووعود كاذبة. وعلّمي أطفالك أن يحترموا الآخر، وأن يحترموا الشكل الذي يختاره لديانته من دون حساب.

علميهم أخيرا: أن يبحثوا عن الله، فإن لم يجدوه في السماء فليبحثوا عنه في الأرض، وإلا في قلوبهم وضمائرهم؛ فلا بد أن يجدوا ذرة من الرحمة صامدة في مكان ما..

عن الكاتبة: حسناء جهاد بو حرفوش، دكتوراه في الآداب الحديثة، متخصصة في المدونات اللبنانيّة (1914-2014) في جامعة السوربون الفرنسية وجامعة بيروت العربية. حائزة على ماجستير في الأدب الفرنكوفوني. حائزة على منحة “ميد أكوي” للتفوّق العلمي. صحافية ولها عدة ترجمات. أستاذة محاضرة في عدة جامعات لبنانية في اللغات الأجنبية والكتابة الإبداعية في الإعلام الحديث والمسرح، ولها مشاركات ومنشورات في مؤتمرات ثقافية.

لمتابعة الكاتبة على فيسبوك إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

آراءكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG