Accessibility links

بقلم منى محمد:

شام راغب المحمد، الطفلة التي تشبه مدينتها دير الزور شرق سورية. خرجت من رحم أمها لتجد نفسها عليلة مريضة بسبب التلوث الذي يغطي سماء المدينة.

التقيت بهم في مشفى كلس التركي. كان الأب يحمل طفلته التي لم يتجاوز عمرها المئة يوم، ويقطع حديثه نشيج بكائه المليء حسرة وندما؛ فما ذنبها ليتشكل ورم كتلته أكبر من جسمها الصغير لتغطي ظهرها كله؟

قال لي أبوها إن العمل الوحيد الذي استطاع الحصول عليه كان في استخراج النفط، ولأن أغلب عملهم بدائي ويدوي تسرب التلوث لأجسادهم أيضاً.

أثناء كلامه معي لم يكن والد شام يعرف كيف يحمل طفلته؛ فأعطاها لأمها الباكية إلى جواره والتي حملتها بكل حنو وضعتها على ركبتيها. وضعت وجه شام نحو الأسفل خشية أن تؤذي ابنتها عبر لمس الورم.

شام الطفلة الأولى لوالديها. عند ولادتها بهذا الشكل حاول الوالدان إيجاد علاج ولكن من دون فائدة؛ فلا مشافٍ في دور الزور، ولا أطباء هناك حيث سواد الرايات والسُحب في ظل تنظيم داعش الذي يسيطر على كل شيء، حتى الدواء والعلاج. وفوق كل هذا، فالقصف المستمر من طائرات من كل الجهات كان يجعل من الحياة أكثر صعوبة في ريف دير الزور عموماً.

قرر الوالدان مغادرة قريتهم (جديد بكارة) نحو تركيا لعلاج ابنتهم؛ فغادرا قبل شهر تقريبا.

كان الأمر في غاية الصعوبة؛ فالدواعش يمنعون خروج المدنيين. استعانوا بمهرّب ودليل لينقلهم إلى إعزاز (شمالا) ثم بمهرّب آخر ينقلهم إلى الحدود. كانت الأم تسير لساعات طويلة خلال هذه الرحلة وهي تحمل الطفلة. تقول لي كنت أخاف أن نؤذيها إذا لمسنا أو خدشنا الورم على ظهرها.

لم يكونوا وحدهم بل كانوا مع عائلات أخرى هاربة من "جحيم دير الزور"، البعض اتجه إلى الحسكة والبعض ذهب باتجاه مدينة إدلب، أما عائلة شام فبقيت في إعزاز.

هناك، اضطروا للاستعانة بمهرب ثالث وأموال كثيرة. قالت لي أم شام "دفعنا مما ادخرناه ومن ثمن ذهبي الذي بعته لنصل أخيراً إلى كلس، ومباشرة توجهنا إلى المشفى لعلنا ندخل الصغيرة هناك، لكن المشفى أحالنا إلى مدينة عينتاب بورقة تسمى (الكملك) وهي بطاقة تعريف اللاجئ السوري".

حملنا طفلتنا إلى هناك، كنتُ قد بدأتُ أشعر ببعض الأمل، لكنه سرعان ما خبى فبطاقة التعريف التي حصلت عليها شام تحمل في بدايتها الرقم 89 والمشفى لا تستقبل سوى حاملي الرقم 99 (ممن يحق لهم استخدام المشافي وغيرها من الحقوق).

لم تكن الأم تعرف الفرق بين الرقمين، عادت حاملة طفلتها إلى كلس، وفي المشفى طُلب إليهم أن ينتظروا أسبوعا آخر كي يتم تبديل الرقم.

قبل أيام حصلت شام على البطاقة رقم 99، وهي الآن في مشفى كلس لإجراء الفحوصات والتحاليل. في زيارتي للمشفى، قال لنا الأطباء إنه سيتم إرسالها إلى أنقرة أو إسطنبول. أحد الأطباء شرح لنا عن هذه الكتلة قائلاً إنها "قيلة سحائية"، وهو تسرب السحايا من فتحة في العمود الفقري لتكون ورما. وكلما كان علاجها مبكرا كان أفضل.

والدا شام يخافان من وفاة طفلتيهما بعد كل تلك المعاناة، فالكتلة صارت تتشكل فوق المخيخ وتحتاج إزالتها إلى عملية دقيقة جدا.

أحد نشطاء دير الزور يؤكد أن مثل هذه الحالات تزداد في مدينة دير الزور بسبب تلوث إشعاعي وتلوث ناتج عن النفط المستخرج بدائياً.

آخرون وصل بهم الأمر إلى درجة نداء الناس للتوقف عن الانجاب في هذه المنطقة.

عن الكاتبة: منى محمد، صحافية سورية من دير الزور. كتبت لعدة مواقع إلكترونية. تعد وتقدم برنامجا إذاعيا يختص بقصص المعتقلين ومعاناتهم.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

آراءكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG