Accessibility links

المنتمون للكراهية.. العقائديون والمتعاطفون


من أصواتكم - حامد السيد

بقلم حامد السيد:

هل ثمّة مسافة بين العنف والشباب؟ كيف يستطيع البعض أن يجعلها تتقلص لتصبح قريبة منه أو أن يبني عليها تصوّراته ومستقبله، متبنيّاً عملية جعل التطرّف عقيدةً وفلسفةً وعاملاً على نشرها بين الآخرين بعد تخدير عقولهم بالخلود، في حياة لا يتلمّسون تجربتها بعد؟

على النحو التحليلي، يمكن استنتاج فئتين من الشباب مرشّحتين للانغماس في التطرّف العنيف:

الأولى: "العقائدي". وهو الذي يستوحي تمرّده أو تطرّفه من أفكار وأقوال ونصوص مقدّسة. ومثل هذا النوع يمثله نموذج المدن الحاضنة للتديّن والتشدّد غير المنضبط، والتي غالباً ما تُفرّخ مجموعات تحمل صورةً نمطيةً موروثةً من تطبيق كامل للشريعة وفرضها بقوة، لا تتماشى مع القوانين المعاصرة. وينخرط أصحاب هذه العقائد في تفسير النصوص الدينية بما تتبناه أحكامها من قواعد لتكفير الناس بأجمعهم، عالمهم وجاهلهم، قامت عليهم الحجّة أو لم تقمْ. العقيدةُ هنا تلاحق كل ما كان سائداً من الاعتقادات والآراء والعلوم، مما هو معارض لنصوص "الكتاب والسنّة"، أو مخالفاً لإجماع "سلف الأمة"!

العقائدي يحمل إيماناً مطلقاً بتبنّي الادّعاء في أنَّ الأرض ملكٌ للخلافة التي تحثّ عليها كتب الأحاديث وتتنبأ في قيامها منذ "1400 عام" كسلطة تمثل الله بين عباده. إنّه اعتقاد أساس لفكر الجهادية الإسلامية، "تكون النبوّة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوّة"، عن النبي محمد رواه أحمد.

كما أنّ الآيات القرآنية المنشّطة للقتال، من أجل "الخلافة" مباشرة في معانيها التي تتكيّف مع المؤمنين بها، كوثيقة لا يشكّك المفسرون في مقاصدها الداعية لقتل غير المسلمين، "قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ" (سورة التوبة – آية29). ويفسر الطبري (٨٣٨ م - ٩٢٣ م) أن معنى (ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق) يعني: أنهم لا يطيعون طاعةَ أهل الإسلام. ولا مساحة هنا لاستعارة باقي النصوص وتفسيراتها التي توجّه المؤمن مباشرةً صوب أن يصبح إرهابياً ومستبّداً.

ضمن سياق ذلك، يقع على المؤسسات الدينية والفقهية التي تشتغل على صناعة الفتوى، القيام بعملية إصلاح وتهذيب لكتب التراث الديني، والتفسير منها بالذات. لا ينبغي ترك معاني الجهاد السائدة قبل قرون تصل إلى الشباب بمجال مفتوح دائماً وعبر تطبيقات هواتفهم الذكية؛ فالوضع قابل لتحويل العالم لغابة غير آمنة ما لم نضع للجرأة نصاباً في إيقاف هذه المعاني داخل مفاهيم الدين بشكلٍ تام.

الثانية: هي "المتعاطف".

ليس بالضرورة أن يكون المتعاطف متديّناً، لكنه يجر إلى الصراع السياسي، ويدخل معادلة المعارضة للدولة التي لم تحقق له سماته كشخصية قانونية لها الحق في التعبير والانتخاب والرعاية. هذا اللون من الشباب يشعر بوضع ناقص الثقة بدولته، فيفقد موقعه الاجتماعي في ظلها، بعد فشلها بحمايته من التأثر بمن حوله، من أزمات تجعله في مرتبة أدنى مما عليه ثلة المواطنين الموالين للسلطة. كل هذا يشكّل له دافعاً قويّاً للانتماء إلى الجماعات المتطرفة، خصوصاً إذا كانت هي من تمنحه الشعور بالانتماء والسلطة، وأحياناً تجعله ملامساً لحياته الطبيعية التي فقدها حين كان خاضعاً لسلطة القانون.

تفكيك هذه المجموعات هو من المهام الشاملة التي لا تنحصر بالمؤسسات الدينية أو المجتمعات الأسرية. الواجب الأوسع يقع ضمن تكليف الحكومات ومؤسساتها كافة. ومن هنا يبدأ اختبار الأنظمة الدستورية بين دفع الشباب نحو العصبية الدينية أو وقايتهم منها.

وإلا سيصبح من غير المفاجئ رؤية شاب يحمل سلاحاً ويتبنّى إيدلوجية متطرفة في مناخ تتحول فيه الميليشيات إلى مؤسسات رديفة للدولة. ويوصد الفساد الباب بينه وبين الحكومة. وإن استطاع الحصول على بعض التعليم، فإن فرص التوظيف تظل محصورة بأولاد النبلاء والسياسيين. وربّما يحتاج للوصول لحلم التوظيف إلى التمّلق للحزب الحاكم وتبني فلسفته والعمل على إنشاء نسخ بشرية لزيادة عدد المنتمين واحتكارهم بفكره وأقواله!

عن الكاتب: حامد السيد، صحافي عراقي. عمل مراسلاً صحافيا ومقدماً للبرامج السياسية. يشرف حالياً على قسم الشؤون المحلية في صحيفة المدى اليومية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

آراؤكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG