Accessibility links

رحلة مقاتل مغربي من السجن إلى القتال في سورية


مقاتل/Shutterstock

المغرب - زينون عبد العالي:

كمعظم الذين ينضمون إلى التنظيمات المتطرفة ثم يقررون العودة إلى بلادهم، يبرر هذا الرجل المغربي قراره بالذهاب إلى سورية بما خلفته في نفسه "صور الجرحى وجثث القتلى المتناثرة" في المعركة الدائرة هناك منذ حوالي ست سنوات.

ولكن نور الدين حاتمي، 40 سنة، لم يدخل الأراضي السورية، بحسب روايته، وعاد إلى بلاده من تركيا قبل أن تخطو قدماه الخطوة الأخيرة.

"قررت التراجع وعدم الاستمرار في مغامرة الجهاد المزعوم"، قال حاتمي المكنى بأبي إياد.

سلفية جهادية

تأثر أبو إياد بفكر السلفية الجهادية في ربيع شبابه ودخل السجن وهو شاب عشريني، بعد إدانته بتهم تتعلق بالإرهاب والانتماء إلى جماعة إرهابية محظورة.

"عشت طفولة مقهورة. حال أسرتنا كان معدوما. فقررت ترك المدرسة بحثا عن عمل أساعد به أسرتي، لكن سرعان ما التحقت بإحدى الجماعات الإسلامية التي أتحفظ عن ذكر اسمها"، تابع قصته.

وأضاف أبو إياد أن السلفية الجهادية "ملأت الفراغ الروحي والفكري الرهيب الذي كنت أشعر به"، بحسب تعبيره.

في حديثه، يحرص الجهادي المغربي السابق على إيجاد مبررات لحياته السابقة. يقول إن "التهميش والإقصاء اللذين كنا نعيشهما بعد أن اتخذ المجتمع السياسي منا موقفا معاديا وتحريضيا، فضيق علينا وبالغ في ذلك، كان لهما دور مباشر في الدفع بنا إلى تبني هذا الفكر".

سجن حاتمي عام 2004 وقضى سنتين متنقلا بين سجن الزاكي الشهير باحتضانه معتقلي قضايا الإرهاب والتطرف، وسجن طنجة.

رحلة نحو "الجهاد"

لم تكن حياة أبي إياد سهلة بعد خروجه من السجن. يتذكر تلك المرحلة ويقول عنها "عشت حياة بائسة بعد خروجي من السجن. بحثت كثيرا عن عمل يحفظ كرامتي، إلا أنني لم أنعم قط بحياة هنيئة عادية كباقي الناس. كانت الأصابع تتجه إلي وتنعتني بالإرهابي".

هذا الشعور بالإقصاء دفع به إلى "فقدان البوصلة"، بحسب تعبيره. وقال "لم أجد ما يغريني على البقاء في المغرب".

وبفضل ارتباطاته ببعض المقاتلين في سورية والعراق، قرر اللحاق بهم "آملا في تغيير حالي إلى الأفضل"، بحسب روايته.

ولكنه سرعان ما اكتشف أن "لذة الحياة" التي أراد الذهاب إلى سورية بحثا عنها هي "مجرد سراب". "عميت بصيرتي حينما فكرت أن طريق­­­ الجنة مفروش بالدماء"، قال.

ولكنه لم يكتشف ذلك قبل قطعه نصف الطريق. ذهب حاتمي إلى تركيا ومكث مدة على الحدود السورية التركية في انتظار تأشيرة ترسلها إليه الجماعة التي كان يريد الانضمام إليها. لكنه تراجع في اللحظات الأخيرة، "لهول ما حكاه لي رفاقي المقاتلين الفارين"، بحسب تعبيره.

ففي تركيا، على بعد كيلومترات قليلة من سورية، التقى بأشخاص سبقوه وقرروا العودة إلى بلادهم وأخبروه قصصا كثيرة عن العنف والموت المجاني جعلته يغير قراره.

ندم وحسرة

يروي أبو إياد قصصا عن عشرات المقاتلين النادمين على توجههم إلى سورية، ويبحثون عن أقرب فرصة للعودة إلى أوطانهم، "بعدما خاب أملهم"، على حد قوله.

ويضيف "منهم من ترك أهله وأمواله، ومنهم من تخلى عن وظيفته في سبيل حلم مزور سرعان ما انكشف زيفه، ليقرروا في لحظة الهروب من مستنقعات الموت والنجاة بأرواحهم".

الآن، تنطق شفتا أبي إياد بكلمات ما كان أحد ليتصور أنها يمكن أن تخرج عنهما قبل سنوات قليلة. يلقي باللوم على "شيوخ الدين" ويعتبر أن "لهم نصيبا في المآسي التي يعيشها الشعب السوري وعائلات المقاتلين المغرر بهم".

ويتابع "الكل متورط في ما يقع بسورية، وخصوصا من يعمل على دعم الشباب وتحريضهم للالتحاق بالجبهات الملتهبة".

عاد حاتمي إلى المغرب، وكان ذلك عام 2013. وجد الشرطة القضائية في انتظاره. ألقي القبض عليه وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الالتحاق ببؤر التوتر والإشادة بالإرهاب.

بين الإدماج والتهميش

المراجعات التي قام بها أبو إياد داخل السجن كانت ذاتية بدون أي تأثير خارجي. ويقول "لقد تغيرت نظرتي إلى العديد من المفاهيم المفصلية الخطيرة في بنية الخطاب السلفي الجهادي، من ذلك عقيدة الولاء والبراء والموقف من المخالف، وقضايا التكفير ونظرية الخلافة الإسلامية وغيرها، وأصبحت لدي نظرة نقدية متفحصة لكل شيء".

تبذل السلطات المغربية جهودا كبيرة في إصلاح الحقل الديني ومراقبة الخطب في المساجد، ووضع نظام لعزل سجناء التطرف والإرهاب عن باقي السجناء.

إلا أن أبا إياد ينكر أن يكون قد استفاد من برامج محاربة التطرف داخل السجون، لا بل قال باستغراب: "لم أسمع وأنا في السجن بوجود مبادرات لمحاربة التطرف داخل السجون ولا أذكر أن أحدا جاء لزيارتنا داخل السجن، ولم يفتح معنا أي حوار أو نقاش حول أية قضية".

ولكن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج تؤكد أنها أطلقت بشراكة مع عدة مؤسسات وطنية ودولية مبادرات للتصدي لانتشار الفكر المتطرف بين السجناء، شملت جميع السجناء بدون تمييز، منذ عام 2013.

محاربة التطرف داخل السجون

المحجوب داسع، مدرب معتمد في محاربة التطرف داخل السجون، يرى أن أغلب السجناء المتطرفين الذين شملتهم المبادرة تفاعلوا بشكل إيجابي مع الورشات التكوينية. وقال "ناقشوا واستفسروا وطرحوا أفكارهم بكل حرية، والملاحظ أن أغلبهم تملكه الندم وأبدى استعداداه للقيام بمراجعات عميقة لأفكاره".

ويضيف داسع الناشط في الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب أن "السجناء ألحوا على ضرورة أن تبذل الدولة قصارى جهدها لإدماجهم اجتماعيا، ومحو الصورة التي التصقت بهم كمتطرفين وإرهابيين، فالعديد منهم يعاني من صعوبة الاندماج من جديد في المجتمع".

ويعترف داسع بأن "الأشخاص الذين التحقوا بالجماعات المتطرفة عانوا من صعوبة الاندماج المجتمعي بعد إكمالهم مدة محكوميتهم، وهو ما على الدولة أخذه بعين الاعتبار".

وأطلقت مندوبية السجون عام 2016 مشروعا بالشراكة مع الحكومة اليابانية، وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، ورابطة العلماء، يتوخى استهداف حوالي 22 ألف سجين في ثماني مؤسسات سجنية على مدار عام.

وكشف مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، عبد الحق الخيام، في حوار تلفزيوني أواسط الشهر الماضي أن أكثر من 1600 مغربي التحقوا بداعش، قتل منهم أكثر من 400، فيما يقبع حوالي 300 من العائدين من بؤر التوتر بسورية والعراق في السجون المغربية.

إدماج سياسي ولكن؟

"السجون المغربية تنتج الدواعش". هذه الجملة قالها المعتقل الإسلامي السابق عبد الكريم الشاذلي. ونقلت جريدة الصباح عنه قوله إن "السجون أصبحت مصنعا للمتطرفين الذين أدينوا بقانون الإرهاب، حيث تحولوا من أشخاص عاديين إلى متطرفين وغادروا السجن ليصبحوا قياديين في تنظيم داعش".

وقدم الشاذلي نموذجا المقاتل المغربي إبراهيم بن شقرون الذي أسس جماعة حركة شام الإسلام في سورية عام 2013، وقتل في السنة الماضية.

استطاع الشاذلي الذي أدين بالسجن في قضايا متعلقة بالإرهاب، أن يقنع عددا من المتطرفين السابقين بجدوى العمل السياسي لتجنب التهميش والإقصاء الذي يلاقونه بعد مغادرتهم السجن.

انضم كثيرون من هؤلاء إلى حزب سياسي صغير، لكن سرعان ما تراجعوا عن ذلك بعدما لم يتم تحقيق ما وعدهم به الحزب.

"صار الإدماج السياسي مجرد كلام تلوكه ألسن الباحثين عن المصالح"، يقول أبو أحمد (اسم مستعار)، وهو معتقل سابق فضل عدم الكشف عن هويته.

ويضيف المتحدث أن "النتيجة الحقيقية لغياب الاهتمام بهذه الفئة هو ما نراه كل يوم على شاشات القنوات والمواقع: مقاتلون مغاربة يقطعون رؤوس الأبرياء ويتوعدون بلادهم بالإرهاب والخراب".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

آراءكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG