Accessibility links

أم تبني قبورا لأولادها الثمانية في بيتها


عراقيون يوقدون الشموع في موقع تفجير الكرادة الذي وقع في تموز 2016/وكالة الصحافة الفرنسية

بغداد – دعاء يوسف:

كانت الساعة تشير إلى ما بعد منتصف ليلة الثالث من تموز/يوليو 2016، عندما خرج خالد السلطاني من البيت حاملاً بيده الشاي لإخوته الذين آثروا البقاء في محلّهم لقضاء بعض الوقت حتى وقت السحور.

كان أصحاب المحال التجارية في منطقة الكرادة وسط العاصمة العراقية بغداد، يبقون محالهم مفتوحة حتى وقت متأخر في تلك الأيام؛ فالأسواق مزدحمة بالمتسوقين استعدادا لحلول عيد الفطر.

في الطريق إلى المحال، إهتزت الأرض تحت قدمي خالد. لم تمض ثوانٍ حتى بدأ الناس بالركض من حوله. لم يهربوا ولكنهم توجهوا إلى موقع التفجير، فالكل لديه أحبة في ذلك السوق الذي كان متنفسا للجميع.

مجهولة الملامح والهوية

خالد،( 25 عاما)، كان قد تأكد بعد أن وجد نفسه وجها لوجه مع سيدة تمسك بطفلة بينما النار تلتهم جسدها، أن إخوته من بين ضحايا هذا التفجير.

"عندما وصلت إلى مكان التفجير ورأيت النار التي بدأت بالانتشار شعرت برحيل إخوتي". قال خالد لموقع (إرفع صوتك).

"حالة هلع. لقد مات الكثير من الناس احتراقا بالنيران التي اندلعت، مقارنة بمن اختنقوا بالدخان".

تمكن خالد في الليلة ذاتها من العثور على جثة واحدة فقط وهي لأخيه قاسم.

ويضيف "لم يكن العثور على إخوتي سهلاً على الإطلاق. فقد استلزم الأمر مني البحث بين الأشياء والجثث التي تحترق. كانت الجثث مجهولة الهوية ومشوهة الملامح بسبب النيران".

فطرت قلبي

تسبب ذلك التفجير بمقتل 323 مواطنا وإصابة العشرات. كانت الفاجعة أكبر من تستوعبها عقول كثير ممن شاهدوها. ولكن ما بعد الفاجعة كان مصيبة أخرى لأهالي الضحايا.

بسبب عدد القتلى الكبير، صار صعبا على الأهالي إيجاد تابوت يضم رفات أحبابهم. خالد تمكن وبصعوبة من العثور على تابوت.

"لقد وضعت التابوت على أرضية الباحة عند بوابة البيت وقلت لأمي التي جفلت من مظهري بنظرة فطرت قلبي: هذا قاسم".

لحظتها ساد الصمت. وبدا كأنَّ الضيوف كلهم ينظرون إلى الأم، ويترقبون ردّة فعلها. ولم يكن من الأم إلا احتضان التابوت والبكاء والنوح.

كانت الأم وخالد والبقية يخافون أن يتبع هذا التابوت أربعة توابيت أخرى للأخوة الذين لم يعثر عليهم حتى تلك الساعة. ولم تمض أيام حتى عثر مسعفون على جثث الإخوة الأربعة بين ركام البناية المحترقة والتعرف على هويتهم في الطب العدلي.

كلهن كن حوامل

ولد الإخوة القتلى بين عامي 1989- 1992 وهم: قاسم وزين العابدين (توأم)، حيدر وعباس (توأم)، وهاشم.

ويضيف "زوجات إخوتي الخمس كلهن كن حوامل وعندما ولدن بعد حادث التفجير قمن بتسمية الأطفال بأسماء إخوتي" .

ويتابع "أبناء إخوتي وزوجاتهم ما زالوا حتى الآن يسكنون معنا وتحت رعايتنا وضمن مسؤوليتنا".

ويعتقد خالد أن إهمال إجراءات السلامة وعدم وجود منافذ طوارئ وانفجار مستحضرات التجميل والعطور والمعطرات والأصباغ وغيرها من المواد الكيميائية أدت إلى انتشار الحريق في المجمع كله، وهو الأمر الذي أدى إلى وقوع ضحايا بهذا العدد الكبير.

الاهتمام بأبناء أخوتي

ولا تخلو حياة بيت أم قاسم من أحزان سابقة، لا سيما إبان الاقتتال الطائفي عام 2007، عندما فقدت الأم ثلاثة من أبنائها ولا تعرف شيئاً عن مصيرهم حتى اللحظة، ومن ثم مقتل زوجها "أبوهم" على يد مسحلين مجهولين عام 2010.

"فقدان أمي لإخوتي الخمسة كان له التأثير الكبير فيما يتعلق بطريقة مصرعهم في الاحتراق والاختناق وعدم قدرتهم على الخروج"، حسب خالد.

ويضيف الشاب الذي لم يرزق حتى الآن بطفل رغم زواجه من سنوات بسبب حالة زوجته الصحية. "أصيبت بالسرطان، وقد طلبت مني الزواج بأخرى ولكني رفضت وفضلت الاهتمام بأبناء أخوتي الذين رحلوا ".

الملاذ الوحيد للأم

وبعد مفارقتهم الحياة، عمد خالد إلى شراء بيت في منطقة الجادرية ببغداد وتجهيزه بكل مقتنيات وأشياء الضحايا.

يقول "لقد شرعت ببناء تسعة قبور تقع جنباً إلى جنب في غرفة بالبيت ما جعله أشبه بمقبرة خاصة ولكن بلا رفاة".

ورغم أن البيت يخلو من شاغليه إلا أنه صار الملاذ الوحيد للأم التي لم تكف عن زيارته والمبيت بقرب شواهد قبور أولادها وزوجها بين الفينة والأخرى.

ويتابع "بناء هذه القبور يرتبط حقيقة بمحاولاتي في التخفيف من مشاعرها في الحزن والأسى من جهة، والتقليل من زياراتها التي صارت أشبه باليومية لمقبرة النجف من جهة أخرى" .

ويضيف أن "أمي قد أوصتني أن أقوم بتهديم هذه القبور بعد وفاتها وتسليم البيت لأحفادها ليسكنوا فيه".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

XS
SM
MD
LG