Accessibility links

حين يأكل الأب من تراب قبر ابنه


من أصواتكم - عباس الوادي/إرفع صوتك

مشاركة من صديق (إرفع صوتك) عباس الوادي:

هواية تفجيرات صارت كدامي وهواية فقدت أصدقاء. لكن سنة 2012، كنت أشتغل بإحدى القنوات الفضائية العراقية وكان بوقتها مناسبة وفاة الإمام الكاظم (ع). كانت مدينة بغداد فيها حظر تجوال السيارات ما عدا شوارع محددة.

ظهراً، حصل انفجار سيارة مفخخة في ساحة عقبة بن نافع ووقتها استهدف زوار (مشاية) قاصدين الكاظمية لأداء طقوس الزيارة.

وقت الانفجار، كنت في عملي وكان صوت الانفجار مرعبا. ذهب أصدقائي من المصورين لتصوير موقع الانفجار. كنتُ في قسم الأخبار حيث أعمل مونتيرا ووصلت لي المادة الفيديوية لغرض عمل تقرير عن الانفجار، وكان عدد الشهداء غير معروف.

عند المساء اتصل بي أهلي ويتساءلون عن فردين من عائلتي انقطع بهم الاتصال فجأة، وأخبرني أهلي أن ابنة عمي وابن أخي ذو الـ12 ربيعاً هم في طريقهم إلى الكاظمية وتوقع الأهل أن الوقت الذي خرجوا به من البيت في منطقة جسر ديالى يحتم أن يكونوا بمنطقة مجمع المشن وحل الظلام والاتصال مقطوع.

عندها أحسست بحزن بداخلي بدء يكبر.

خرجت من القناة التي أعمل بها في منطقة (الكرادة داخل) واتصلت بأحد اصدقائي، وكان ضابطا في مركز شرطة الكرادة، وسألته عن شهداء تفجير ساحة عقبة وقال لي إن الضحايا قسموا إلى قسمين: قسم في مستشفى شيخ زايد وقسم في مستشفى ابن النفيس.

ركضت مسرعا ووصلت إلى مستشفى زايد. قرأت ورقة مكتوبة في مدخل المستشفى فيها أسماء الشهداء والجرحى ولم أجد اسم ابن أخي أو اسم أمه.

وقال لي موظف الاستعلامات: توجد جثة امرأة لكن مجهولة الهوية.

سألته: هل يوجد طفل معها أو جريح؟

قال: لا ...

ركضت إلى مستشفى ابن النفيس وسألتهم عن الشهداء والجرحى؟

قالوا: لا توجد إلا جثة شاب مجهولة الهوية.

قلت لهم: أكدر أدخل الثلاجة وأشوفه؟

دخلت الثلاجة ورأيت طفلا نائما على وجهه يرتدي (تي شيرت) فريقه المفضل برشلونة، وعلما أخضر ملفوف على رقبته. كان الطفل سيف ابن أخي. كان ممددا وإصابته في رأسه. حضنته، شممته، وقبّلت جرحه. كل أهلي كانوا في الكاظمية لأن عائلتي لديها موكب لخدمة الزوار وسيف وأمه كانوا آخر الملتحقين. لكنهم التحقوا إلى عالم أجمل من عالمنا البشع.

اتصلت بأخي وعزيته بوفاة ابنه. وصل أخي الثاني وقلت له إن أم سيف (على الأغلب) في مستشفى الشيخ زايد. ذهب أخي وتعرف على ابنة عمنا.

كنت أسمع بكلمة فاجعة لكن لم أشعر بها يوماً. لكن شعرت بها ذلك اليوم وأنا أنظر إلى ابن أخي ممدد بثلاجة الموتى ذات الدم المتجمد والأجزاء البشرية وكأنها جحيم أسود.

وصلت عائلتي والحزن الكبير يخيم على الجميع. عند الدفن، رأيت أخي الكبير وهو يقبل ابنه، لم يفارقنا منظره عندما أخذ من تراب لحد قبر ابنه وأكله.

أستذكر هذا المنظر مع كل تفجير أسمعه في العراق. لم أتحمل البقاء في هذا البلد. بعد 22 يوماً هاجرت من العراق مجبراً ولأسباب خاصة، وهذا التفجير أحد أسبابه.

هذه المدونة كانت بذرتها رد الكاتب على منشور في صفحة (إرفع صوتك) في موقع فيسبوك.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

XS
SM
MD
LG