Accessibility links

بقلم حسناء جهاد بو حرفوش:

في زمن الفوضى، لا يحمل مفتاح البقاء سوى الذين يتقنون فنّ تطويع الوقت واستثماره بما يخدم خير الجميع. وفيما يتفنن المتطرفون في "سرقة" الوقت من الآخرين، يبقى العلم السلاح الأوحد لتخليد الثقافة التي تكرّس الإنسانية. فالتحدي الذي يواجه البشرية اليوم هو ببساطة: الوقت.. فإما أن يكون عقبة نفسية؛ فيبحث الفرد عن طرق القضاء عليه من خلال هوايات سطحية أو ألعاب وبرامج تلفزيونية لا يمكن أن نشملها كلها في خانة ملء الفراغات. وإما أن يبرز الوقت كمحفز على العمل، فيبحث الفرد عن الطرائق التي تسمح له بإدراكه واستخدامه على خير وجه وبكل الطاقات الممكنة، لتحقيق ما يستحق أن يعرف بالإنجاز..

والأمثلة على التطويع الناجح للوقت عديدة، إنطلاقا من أبسط الأشياء التي تواجهنا في حياتنا اليومية.

لنقف قليلا عند عتبة "ثلاث دقائق". ماذا يمكن أن تفعل بها؟

قد تعني للبعض ثواني الخشوع الجميلة التي يمر بها آذان الصلاة، أو الأجراس المذكرة بالتوقيت الموافق مع مواعيد معينة أو حتى لحن أغنية لا يفارق الذهن طوال النهار وصولا لوقت تسخين الطعام في "المايكرويف".

ثلاث دقائق قد تمرّ 20 مرة في الساعة من دون ننتبه أو حتى نشعر، لكنها كافية للتوقف أمام فكرة وتأملها.

هل تثقون بي إن قلت بأن الدقائق القليلة هذه تساوي ثلاثة أعوام؟

في تجربة أكثر من رائعة، تعلمت ألا أنظر إلى الثلاث دقائق كما اعتدت منذ أزل! فقد قمت بالتعريف عن أطروحتي للدكتوراه التي استثمرت بها أكثر من ثلاثة أعوام، بثلاث دقائق فقط! وهنا يكمن لبّ التحدي للمسابقة العالمية "أطروحتي في 180 ثانية" التي لن أنسى أبدا فوزي بها.

أن تختصر قراءات كثيرة وحماسا أكبر في هذا الوقت المركز من "اللاوقت" كما قد نشعر ألف مرة في اليوم، هو أمر غاية في الصعوبة ولعله الأمر الأصعب بالنسبة لأبناء المجتمعات الذين تطارد كل مفرداتهم أشباح الأحكام المسبقة بحكم الاجترار.

إنها "العادة" التي تفرض علينا أن نصنّف كلامنا في خانات "وقتية" بائسة لم تتطور منذ مئات السنين. وهنا يأتي دور الثقافة؛ فالثقافة تخرج الأشياء من قوقعة "التخصص" لتلامس كل أطراف المجتمع ولتتحدى كل عوائق الوقت. فماذا يعني أن تكون مثقفا؟ لقد ولى زمن الأكاديميين المحض، مع كل التقدير لجهودهم، ولكن زمن التكنولوجيا قلب كل الموازين.

أسياد الوقت هم من يتقنون "التوقيت" الصحيح للخروج من حدود الشهادة "المعمرة" ليعترفوا بأن المتفوق الحقيقي هو الذي لا يسعى للعلم "المفيد" والذي "يستفاد به" على كل المستويات. ففي هذه القرية الكونية لم تختف المسافات فقط على مستوى الجغرافيا بل على مستوى الاختصاصات. فاقرأوا أعزائي لأن العلم لا يحيا إلا بالعلم والوقت لا يتوقف إلا أمام الوقت المخلّد بالمعرفة.. لعل من يراهنون على أن طمس المعالم الثقافية كاف لدفن "الوقت" يدركون أخيرا بأن عقارب ساعة التطور الإنسانية لن تتوقف أبدا ما دام هناك عشاق للحضارة!

عن الكاتبة: حسناء جهاد بو حرفوش، دكتوراه في الآداب الحديثة، متخصصة في المدونات اللبنانيّة (1914-2014) في جامعة السوربون الفرنسية وجامعة بيروت العربية. حائزة على ماجستير في الأدب الفرنكوفوني. حائزة على منحة “ميد أكوي” للتفوّق العلمي. صحافية ولها عدة ترجمات. أستاذة محاضرة في عدة جامعات لبنانية في اللغات الأجنبية والكتابة الإبداعية في الإعلام الحديث والمسرح، ولها مشاركات ومنشورات في مؤتمرات ثقافية.

لمتابعة الكاتبة على فيسبوك إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

آراءكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG