Accessibility links

هند.. المرأة الهاربة من الحويجة


من أصواتكم - عباس الجميلي

مشاركة من صديق (إرفع صوتك) عباس الجميلي:

فرشت سجادتها لتصلي صلاة الاستخارة بقلبٍ منكسر وعين دامعة لأنها عزمت على الرحيل من "أرض الخلافة" المزعومة لتقصد كركوك، جنة عدن كما كان يخيّل لها؛ فقد عانت طوال فترة سيطرة داعش على الحويجة منذ منتصف سنة 2014 من الظلم، لا سيّما وأن زوجها كان ضابطاً وحياته على كفّ عفريت.

حزمت أمتعتها وشدّت مئزرها هي وزوجها وشقيقه ابن الـ25 ربيعاً، والذي عزم على الذهاب معهم، رغم أنه يعاني من مرض السكري المزمن. كان يرافقهم أيضاً أحد شباب القرية، واسمه خالد.

بدأ المشوار والمسير إلى المجهول والغيب الذي لا يعلمه إلا الله. تركوا كل شيء خلفهم. تركوا الأهل والأحبة والأصدقاء. تركوا وطنهم الصغير وذكرياتهم الفرحة والحزينة.

وضعوا نصب أعينهم جبل حمرين، ذلك الجبل الذي دخل التاريخ من أوسع أبوابه وتسلق سلم الشهرة على جثث أهلنا وأحبتنا الذين غيّبهم في دهاليزه لقد تقاسم كعكعة أحزاننا مع داعش لعنهم الله حتى صرت أراه مجرماً ويجب أن يقف في قفص الاتهام لينال جزاءه العادل!

سار الأربعة في ممرات حمرين يصعدون قمته مرة ويغيبون في وديانه تارة أخرى أحسوا بالتعب والعطش ينهش أجسامهم. لكن لا مجال للتراجع أو الوقوف فأما تتوقف وتموت أو تستمر على أمل أن تنجو بحياتك حتى لو كان ذلك الأمل هو واحد في المئة.

سار الهاربون، مرّوا بسفوح جبل حمرين وتعرّجاته، هربا إلى الجانب المقابل نحو القوات الأمنية العراقية. أحس بهم عناصر داعش وبدأوا بإطلاق النار. ردت القوات الأمنية بالمقابل وصار المساكين بين نارين.

بعد فترة، توقف إطلاق النار أخيراً.

أحست هند، نعم اسمها كان هند، بأن راضي، وهو شقيق زوجها قد بدأ يتثاقل في خطاه لأنه -وكما أسلفت- يعاني من مرض السكري رغم صغر سنه وتهاوى على الأرض.

صار الجميع في حيرة من أمرهم: هل يتوقفون أم يواصلون مسيرتهم التي صارت دهراً من الزمن؟

لاحت لهند فكرة لم يكن من السهل على زوجها أو قريبه الذي يرافقه تنفيذها. قالت لهم اتركوني هنا مع راضي.

كيف لهم أن يتركوهما وحدهم وسط ذلك الجبل الموحش؟

قالت لهم: لا يوجد حل آخر؛ فأنت ضابط وإن أمسكوا بك فسيقتلونك لا محالة؛ فاذهب أنت وخالد واتركانا هنا وهناك رب لا ينسى أحد. وإذا كان في العمر بقية فإن المولى سينجينا ويحرسنا بعينه التي لا تنام.

وافقوا على مضض. بقيت هي وراضي وسط ذلك الظلام المعتم والهدوء المميت وهو يصارع من أجل البقاء ولكن من دون جدوى.

هل لك أن تتخيل أن امرأة تبقى وحدها مع رجل يلفظ أنفاسه الأخيرة ليومين متتاليين؟

هل يوجد أقسى من ذلك؟ هل يوجد امتحان أصعب من ذلك؟

حاولتُ أن أتخيل ما كانت تشعر تلك المسكينة وهي تضع رأس رفيقها في حجرها وقد فاضت روحه. هل من الممكن أن تبيت مع شخص ميت؟

أتساءل: هل مرّ على خاطرها في يوم من الأيام أنها ستمر بهذا الموقف الذي لا يمكن تصوره؟ هل هو حلم أم حقيقة مؤلمة وقاسية ومريرة؟

أخيراً، قررت أن تكمل مشوارها بعد أن أكملت مهمتها بالبقاء مع راضي الذي فارق الحياة. وضعت حول جثته التي بقيت بلا كفن، مجموعة من الأحجار لتكون شاهداً لقبره... وتوجهت صوب القوات الأمنية العراقية التي كان لديها علم مسبق أن هناك امرأة من الحويجة قد بقيت في الجبل؛ فزوجها كان قد أبلغهم.

اتجهت صوب النهر وقطعت بعض المسافة سباحة حتى شاهدها بعض أفراد القوات الأمنية وذهبوا إليها ونادوا عليها من بعيد: هل أنتِ ابنة الحويجة المفقودة؟

فأجابتهم بصوتها الذي لا يكاد يسمع من شد التعب والعطش بالإيجاب.

فاتجهوا صوبها مسرعين وحملوها على أكتافهم وقد هالهم منظرها البائس ووجهها الذي اكتوى من الشمس والخوف والتعب...

الكل ينظر إلى تلك المرأة الحديدية التي كسرت كل الصورة النمطية عن النساء من ضعف وعدم القدرة على التحمل.

هل من الممكن أن تصنع الظروف من الإنسان شخصاً خارقاً يتجاوز كل حدود الممكن؟

هند الآن تفخر بأنها فعلت ما لم يستطع أن يفعله الرجال؛ فقد أثبتت أن المرأة العراقية تبقى شامخة كنخيله الباسقات، وأن الظروف تصنع منها نموذجاً يحتذى به ونبراساً ينير الدرب لكل نساء الدنيا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

آراءكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG