Accessibility links

قراءات حول العالم لمرحلة ما بعد داعش


من أصواتكم - حسناء جهاد

بقلم حسناء جهاد بوحرفوش:

هل يستطيع العالم أن يشفى من تداعيات عصر تنظيم داعش أو ما يعرف بـ "الدولة الإسلامية"؟ ما يحصل فعلا هو أننا جميعا قد تذوّقنا مرارة كأس الإرهاب بشكل أو بآخر: فإن عفى الزمن على الكأس فذكرى المرارة لن تزول من النفوس. وهذه الذكرى هي مرض بحدّ ذاته يقودنا إلى الاعتراف بالنتيجة الحتمية بأن الحرب ضد الإرهاب لم تنته إلا بشكل ظاهري وأن العلاج الحقيقي يتطلب عشرات وعشرات الأعوام قبل التمكن من التصالح مع الماضي.

في البداية، لا يمكننا إلا أن نجزم بأن ظاهرة داعش أدت إلى توحيد العالم (ظاهريا على الأقل) لمكافحة السرطان في بداية غزوه الجسد الدولي. ففي وقت كان العالم بانتظار اندلاع حرب كونية قد تأتي من الفضاء الخارجي أو من الأرض نفسها نتيجة للاحتباس الحراري، فوجئ الجميع بشكل جديد من أشكال الخطر وهو الدواعش كما يكتب الصحافي جون فيفر. وحيث أن استراتيجية التنظيم اعتمدت بالمطلق على "قتل كل شيء"، لا يمكن الإيمان بأن نهايته مطلقة، إذ أنه يضم عشرات الآلاف من المرتزقة ومن الباحثين عن الهوية وهما فئتان تساهم الراديكالية الرأسمالية في تغذية انتشارهما. إذا لا حلّ ههنا سوى على مستوى القشور.

والسؤال الذي يطرح نفسه بالتالي هو: هل يكفي العلاج السطحي لهذه الظاهرة ليصبح العالم مكانا أكثر أمنا؟

هذا السؤال يحتل صلب الدراسات حول السلام في العالم. فعلى سبيل المثال، يذكّر الاستاذ المتخصص في دراسات السلام بول رودجرز منذ بداية العام الجاري بأن درجة الخطورة التي اخترناها في السنوات الماضية مخيفة بشكل كبير. بالنسبة له، لم يمثل داعش يوما الإسلام كديانة وإنما شكل ظاهرة أو كما أسماها "موضة منتشرة" لتجمعات عديدة تأتي من سياقات مختلفة، وهذا ما ينذر بأن تداعيات التنظيم الإسلامي لن تزول قبل عشرات الأعوام على الأقل.

والأهم من ذلك أن هزيمة داعش لا تعني موت الإرهاب بل تسطر فترة جديدة ستتميز بإرهاب جديد بحسب المحلل فيل توريس، وهو صاحب الكتاب الشهير "ما يقوله العلم والدين عن نهاية الكون" The End: What Science and Religion Tell Us About the Apocalypse.

وينتج هذا الإرهاب الجديد عن الإيمان المتنامي بأن خلاص البشرية يعتمد على اقتلاع جذور الإرهاب اليوم، وهذا يعني بالنسبة للبعض اتباع "عشاق العنف لتحقيق نهاية العالم أو لتهيئة الظروف اللازمة لنهاية العالم" كما يصنفهم توريس . فهم يستوحون استراتيجياتهم من "باقة كبيرة من النبوءات الفاشلة". والأمر الأكثر إثارة للقلق، بحسب الكاتب، هو احتمال أن تكون الكارثة المستمرة في سورية، والتي كان البعض قد جادلوا بها بشكل معقول على أنها بداية الحرب العالمية الثالثة، يمكن أن تغذي جماعات جديدة بل وأكثر عنفا تحت شعار "تدمير العالم لإنقاذه".

عن الكاتبة: حسناء جهاد بو حرفوش، دكتوراه في الآداب الحديثة، متخصصة في المدونات اللبنانيّة (1914-2014) في جامعة السوربون الفرنسية وجامعة بيروت العربية. حائزة على ماجستير في الأدب الفرنكوفوني. حائزة على منحة “ميد أكوي” للتفوّق العلمي. صحافية ولها عدة ترجمات. أستاذة محاضرة في عدة جامعات لبنانية في اللغات الأجنبية والكتابة الإبداعية في الإعلام الحديث والمسرح، ولها مشاركات ومنشورات في مؤتمرات ثقافية.

لمتابعة الكاتبة على فيسبوك إضغط هنا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

آراؤكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG