Accessibility links

الرقة.. قصة ناشط مدني مع داعش


غادر بشير الهويدي الرقة في بداية سنة 2014 هربا من داعش/ إرفع صوتك

أورفا - أحمد المحمود:

"روحي تطوف في الرقة"، هكذا يعبر الناشط المدني بشير الهويدي عن شوقه إلى مدينته التي خرج منها عقب سيطرة تنظيم داعش عليها بداية عام 2014. يقيم بشير، وغيره من النشطاء الفارين، اليوم في مدينة أورفا جنوب تركيا.

تخرّج بشير من جامعة الاقتصاد في حلب عام 2010. وكان يطمح إلى إيجاد عمل، لكن رياح "الربيع العربي" التي هبّت من تونس في كانون الثاني/يناير 2011 وصلت إلى سورية سريعا فقلبت كل مخططاته، حسب الناشط.

"كنا ننتظر بداية الثورية السورية. تجهزنا لهذا الاستحقاق، وبدأنا نتواصل مع أصدقائنا ممن نثق بهم وممن يحملون فكرة التغيير"، يقول الناشط السوري ذو الـ33 عاما.

شارك بشير في الاحتجاجات منذ بدايتها في الرقة. كانت سلمية في أشهرها الأولى. لكن "لاحقا بدأت عملية تسليح الثورة نتيجة استخدام العنف بشكل مفرط من قبل النظام. رفضت تسليح الثورة لأنني أعرف أن بناء نظام ديموقراطي، يحتاج لعملية ديموقراطية بعيداً عن العنف".

في أعين بشير، السلاح ليس إلا ديكتاتورية بديلة وأشبه بقوة عسكرية تزيح قوة عسكرية أخرى وتحل مكانها. وهذا ما حصل بالضبط بالرقة. في الرابع من آذار/مارس 2013، سقطت المدينة في يد المعارضة المسلحة، لتصبح أول مركز محافظة يخرج عن سيطرة الحكومة. كان السقوط مفاجئا، فالرقة -التي كانت تضم فقط 240 ألف نسمة- جذبت حينها 800 ألف نازح بسبب وضعها المستقر.

داعش يخطف الرقة

تقاسمت الفصائل المسلحة مناطق النفوذ المدينة، فيما ظهرت تنسيقيات شبابية ومجالس محلية لملء الفراغ الهائل في أجهزة الدولة. وتشكّلت مجموعات مدنية لتنظيم حركة المرور، وتأمين عودة المدارس، والإشراف على حملات النظافة. كان بشير أحد هؤلاء الشباب الذين شاركوا في التنسيقيات.

بتاريخ 9 نيسان/أبريل 2013، أعلن زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي تبعية جبهة النصرة، أحد أكبر الفصائل المشاركة في معركة الرقة، لتنظيمه. ورغم أن قيادة النصرة رفضت هذا الإعلان إلا أغلب عناصرها اختاروا الانضمام إلى داعش. تغيّرت الأمور رأسا على عقب في الرقة. وسريعا، تحوّل داعش إلى التنظيم الأقوى في المدينة.

في اليوم نفسه، أعدم داعش ثلاثة أشخاص في دوار النعيم وسط المدينة. يقول بشير "قمنا في حركة "حقنا"، (أحد التنظيمات الشبابية التي ظهرت في المدينة) بنصب خيمة عزاء ورفعنا شعار "ساحات الحرية ليست ساحات إعدام" ووزعنا القهوة المرة والمصاحف، وقمنا بتقاليد عزاء حقيقي للذين أعدمتهم داعش".

مع بداية عام 2014، أزاح تنظيم داعش جميع خصومه من الفصائل الأخرى من المدينة، وعلى رأسهم الجيش السوري الحر وحركة أحرار الشام. فتفرغ لمطاردة للنشطاء المدنيين، مكثفا حملة الاعتقالات التي بدأها قبل فترة والتي شملت أكثر من 25 ناشطا، من بينهم المحامي ورئيس المجلس الأعلى لمحافظة الرقة عبد الله الخليل، والناشط فراس الحاج صالح، والأب باولو دالوليو، والإعلامي إبراهيم الغازي.. وغيرهم.

كان بشير حاضرا في كل هذه الأحداث. "لم تبق أية قوة عسكرية يمكنها ردع داعش في المحافظة. اعتقلوا سبعة أشخاص من أصدقائي. لاحقا، أطلقوا سراح ستة منهم، فيما بقي واحد هو عبد الإله الحسين. وإلى الآن لا نعرف مصيره. ربما قتله التنظيم".

آخر يوم في الرقة

دفع هذا الوضع النشطاء الشباب إلى الهرب نحو مدينة أورفا التركية القريبة من الرقة، ليتم إسكات صوت النشطاء المدنيين نهائيا.

يذكر بشير جيداً ساعة مغادرته للرقة. يقول "آخر يوم لي في الرقة كان بتاريخ كانون الثاني/يناير 2014. أصرّت والدتي على خروجي من المدينة إلى تركيا للحفاظ على حياتي. أتذكر كلماتها وهي تقول لي: أخرج من المدينة حتى تبقى لي".

لم يستطع بشير مقاومة رغبة والدته، وغادر نحو تركيا. وهو يعمل الآن في مركز "المجتمع المدني الديمقراطي" منسقا لمنصة الرقة المدنية (شبكة تنسيق بين منظمات المجتمع المدني).

مدينة أورفا التركية حيث لجأ عشرات النشطاء المدنيين فرار من داعش/إرفع صوتك
مدينة أورفا التركية حيث لجأ عشرات النشطاء المدنيين فرار من داعش/إرفع صوتك

يؤمن بشير بأن الوسيلة الناجعة لمكافحة الإرهاب تتمثل في إشراك المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها. ويؤكد أن هناك إقبالا كبيرا من اللاجئين في أورفا على الانخراط في مؤسسات المجتمع المدني. "وجد الناس أن المجتمع المدني هو مساحة للتعبير عن احتياجاتهم وطموحاتهم ورؤيتهم السياسية"، يقول بشير.

لكن الناشط الرقاوي ما يزال خائفا على السكان الباقين في المدينة، خاصة مع الحملة العسكرية التي تقودها "قوات سوريا الديمقراطية" لتحريرها من داعش. يخشى بشير على المدنيين هناك وعلى إرث المدينة الأثري. "أكثر مكان أخشى عليه من التدمير هو باب بغداد الأثري لأنه ذاكرة الرقة، ومرجعها الحضاري"، يختم بشير الهويدي.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 001202277365

XS
SM
MD
LG