Accessibility links

مشاركة من صديق (إرفع صوتك) ضياء الكجو:

هل هي مشكلة واحدة تعاني منها مجتمعاتنا وشعوبنا في بلدان الشرق الأوسط أم هي مشكلات لا عد لها ولا حصر؟ فمشكلاتنا عويصة ومعقدة، مشكلات مزمنة وتاريخية: جهل، تخلف، فقر، انعدام للتنمية، عدم التطور وانعدام المساهمة في رفد العلم والإنسانية بأي منجز، ناهيك عن حروبنا وصراعاتنا والدماء والدمار والتطرف والإرهاب.. وإذا أردتُ الاستمرار في تعداد مشاكلنا فسأكتب ما يكفي عشرات الصفحات ولن أنتهي. لكن سأحاول التركيز على شيء واحد مهم وهو: لماذا نحن غير قادرين على حل مشكلاتنا فتتراكم وتستعصي على الحل وصار حالنا على ما هو عليه اليوم؟

من المؤكد أن جميع الشعوب والأمم تمر بمشاكل مشابهة لما نمر به؛ فنحن كبشر من طبيعتنا خلق المشاكل وهذه هي طريقتنا لإدراك العالم. فالعالم في الحقيقة هو مشكلة في حد ذاته للإنسان الذي يحاول حلها وفك لغزها. لكن كثير من الأمم والشعوب تمتلك القدرة على حل المشاكل، أما نحنُ الشرقيون فمتأخرون جداً في امتلاك هذه القدرة على حل المشكلات. فما السبب في عدم امتلاكنا القدرة على حل المشاكل؟ ثم أليس افتقارنا لهذه القدرة هو سبب جميع مشاكلنا؟

الكل يمتلك القدرة على التفكير، الشرق والغرب، ولكن باعتقادي أن أسلوبنا في التفكير هو في الحقيقة "مشكلتنا".

يوما ما قرأتُ قولاً عميقاً لأحد الفلاسفة الغربيين يقول فيه إن "الشرق أنتج الديانات والغرب أنتج الفلسفة.." والعمق في هذا القول يحدد المشكلة في تفكيرنا؛ فالدين يتطلب الإيمان بوجود حقيقة مطلقة لا يمكن المجادلة في كونها الحقيقة من عدمه لأن مجرد الجدال يعتبر شكاً في الإيمان، والشك في عرف الدين هو الكفر، والكافر عقوبته معروفة في الشرق. ولأن الحياة أهم لذلك يجب التوقف والتسليم بتلك "الحقيقة"! وهذا التسليم بالحقيقة هو توقف عن التفكير.

في الجانب الآخر أي العقل الغربي الذي أنتج الفلسفة والتي هي "البحث عن الحقيقة" وليس وضع اليد على الحقيقة بل البحث المستمر وهذا يتطلب التفكير المستمر والتطور المستمر والحل المستمر للمشكلات. أليس هذا الأسلوب متوافقاً أكثر مع أهداف الحياة الثلاث أي "الاستمرار، الانتشار والتطور"؛ فأسلوب التفكير الغربي هو صيرورة تمتلك العمق الزمني وتنطلق معه إلى الأمام مستغلةً طاقته في حين إن أسلوب التفكير الشرقي أي "إمساك الحقيقة" هو البقاء في نفس المكان والجمود وفقدان طاقة الانطلاق الزمنية نحو المستقبل. وهذا هو جوهر معاناتنا فأي إنسان شرقي يؤمن أنه يمتلك مستقبلاً في هذا العالم وهذا الوجود؟! ربما مستقبله الوحيد الذي يراه هو بما يؤمن بأن دينه يعده به، أي "الحياة الأخرى"، لهذا فقد فقدنا هذا العالم تماماً وفقدنا القدرة على الإنجاز وصنع المستقبل.

نحنُ قدريون إلى أبعد الحدود نؤمن بالقدر المحتوم وهم يؤمنون بأنهم يصنعون القدر. نحنُ نؤمن أننا مُسيرون والغربيون يؤمنون أنهم هم من يسيرون الأشياء والأحداث؛ فلماذا نحتج عليهم إن سيطروا على مصائرنا وسيروها كما يرون؟

مشكلتنا هي اعتقادنا بأننا نمتلكُ "الحقيقة المطلقة" وقد يكون كلُ ما نمتلكه هو وهمٌ مطلق.

أنا لا أعتقدُ بأن الحقيقة المطلقة موجودة أصلاً بل الموجود هو بحثٌ مستمر عن الحقيقة. بدأ هذا البحث منذُ بدء الإنسان بالتفكير وسيستمر طالما هناك إدراكٌ مفكر، وكل الحقائق التي يتوصل إليها هذا الإدراك هي حقائق نسبية مرتبطة به وبمساره الزمني المنطلق منذٌ بدء التفكير.

أما "الوهم المطلق" فهو نقطة التوقف في مسار التفكير الباحث عن الحقيق فعندما تقرر أن ما توصلت إليه في هذه المرحلة هو الحقيقة وعليك التوقف هنا تكون قد أوقفت مسارك الزمني وقطعت الطريق أمامك للولوج للمستقبل وتكون قد حكمت على نفسك بالموت الفكري أو "الجمود الفكري" وهذا ما نعاني به اليوم في مجتمعنا وكل مشكلاتنا فيها جذر هذا الجمود الفكري.

كنتُ معجباً كثيراً برقصة مايكل جاكسون الشهيرة "المشي على القمر". ربما لأنها تمس وتراً حساساً في داخلي. نحن في مجتمعاتنا الشرقية نرقص جميعاً بهذه الطريقة و"نمشي على القمر"، نبسط أقدامنا إلى الأمام وعندما نحاول التقدم نحو المستقبل نكون في الحقيقة نتراجع إلى الوراء... إلى ماضينا المزدهر الذي يتملكنا الحنين إليه باستمرار فبتنا نعيش في الماضي وخسرنا المستقبل.

كثيرون ممن سيقرأون ما سبق سيستنكرون ويقولون إنك تخيرنا بين ترك إيماننا ومعتقدنا مقابل أن يكون لنا مستقبل وحياة مستقرة تواكب التطور.

وأنا أقول إنه ليس شرطاً للناس في مجتمعاتنا أن تترك الإيمان كي تصير مزدهرة ومتطورة ومستقرة كالمجتمعات الغربية. بل المطلوب هو تغيير أسلوب التفكير التقليدي تجاه أمور الحياة والدين والإيمان وبث روح جديدة فيها وإضافة البعد الزمني من خلال والفهم والرؤية لأمور الإيمان والعقيدة.

هذا أمر بات ضرورياً جداً وإن لم نقم به اليوم فمتى سنقوم بهذا الأمر؟

نحن عشنا ذروة في تراكم سلبية التفكير التقليدي في الفهم الديني وكان التطرف والإرهاب و" داعش " هو النتيجة الحتمية لأسلوب التفكير التقليدي الجامد؛ فالحقيقة المطلقة التي يعتقد المتطرفون الإرهابيون إنهم يمتلكونها لا يجب أن تنافسها حقيقة أخرى وكل من يحمل فكراً غير فكرهم ويدعي امتلاكه حقيقة أخرى غير حقيقتهم يجب أن يزاح ويباد وتزول حقيقته التي يدعيها إلى الأبد وبهذه الطريقة يعتقد المتطرفون إنهم يثبتون أن عقيدتهم هي العقيدة الوحيدة التي تحتوي الحقيقة المطلقة والدليل بقائهم وزوال الأخرين!

أليست هذه هي التجربة المؤلمة التي عشناها ونعيشها يومياً مع المتطرفين وحاملي الحقائق المطلقة حتى بتنا نعيش "حرب الحقائق المطلقة والمقدسة"؟ والحرب هذه عندهم هي حربٌ مقدسة لهذا لا يهم كل ما يسفك من دماء الأبرياء ودمار المجتمع.

لا يمكن لي القول إن عملية تغيير طريقة التفكير التقليدي الجامدة هذه أمرٌ بسيط ويمكن حدوثه بين ليلة وضحاها فأنا أدرك أن طريقة التفكير التقليدي أي "الإمساك بالحقيقة" والتحول إلى طريقة "البحث المستمر عن الحقيقة" أمر صعب جداً؛ فطريقة التفكير القديمة هي طريقة بدأت منذُ بدأ البشر التفكير والتخلي عنها صعب لكنه ليس بالمستحيل. إننا أمة عرفت بأنها "أمة تؤمن"، إذن لنؤمن أن لا مستحيل أمامنا لهذا لن نتوقف وسنستمر وعندها سنجد الحل لـ "مشكلتنا".

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

آراؤكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG