Accessibility links

عالم أزهري: الإرهابيون يبررون القتل بتكفير الدولة والمجتمع


أحمد كريمة العالم الأزهري وأستاذ الشريعة والفقه المقارن بجامعة الأزهر/تنشر بإذن خاص لإرفع صوتك

حاوره الجندي داع الإنصاف:

يحاور موقع (إرفع صوتك) العالم الأزهري وأستاذ الشريعة والفقه المقارن بجامعة الأزهر أحمد كريمة حول المبررات التي تتخذها التنظيمات المتطرفة ذريعة لاستهداف المدنيين، وكيف يمكن الرد عليها.

أولا كيف تنظر كرجل دين إلى فكرة استهداف التنظيمات المتطرفة للمدنيين؟

الإرهاب جريمة منكرة حرمها الله في الشرائع السماوية كلها. يأباها العقل السليم ويرفضها المنطق القويم. وللأسف، عمليات الإرهاب قديمة قدم البشرية لكن في الآونة الأخيرة تزايدت وتصاعدت بطبيعة الحال. وهناك بواعث، لا يمكن إغفالها، تدفع المغرر بهم أو الأجناد أو أشياخهم أو منظريهم أو مرجعياتهم...

ما هي هذه البواعث من خلال متابعتك للجماعات المتطرفة وفتاواها وبياناتها؟

تدور هذه البواعث حول ثلاثة أمور. أولا: السعي لإقامة ما يسمونه في نظرهم خلافة للمسلمين. الأمر الثاني هو أنهم يسعون إلى إقامة دولة دينية. والأمر الثالث إنفاذ ما عطل من أحكم الشريعة الإسلامية. وهذه القضية الأخيرة -وهي الحكم بما أنزل الله أو بغير ما أنزل- هي بيت القصيد. فبواسطتها، يتم تجنيد المغرر بهم وبالتالي الحكم على الحاكم وعلى مؤسساته وعلى الدولة وعلى المجتمع بالكفر. وهذا المنهج موجود في الفكر السلفي على وجه الخصوص ومن رحم السلفية تخرج كل فصائل الإرهاب.

برأيك دكتور أحمد كريمة كيف تكون المعالجة المثلى للأفكار المتشددة؟ وهل هناك تقصير من المؤسسة الدينية في التعامل مع مثل هذه الأفكار؟

يجب أن تكون هناك معالجة ومداواة إن كنا جادين بحق. ومن المفترض أيضا أن يكون هناك نقض ونقد للشبهات. فلا يوجد في العالم الإسلامي سواء في الماضي التراثي أو في الحاضر من يجحد بأي أمر ثبت يقينا أو قطعيا في القرآن الكريم والسنة النبوية، ولكن يوجد تقصير. وما خلا عصر ولا مكان ولا زمان من التقصير الذي لا يوجب قطعا الخروج على المجتمع أو على الحاكم. والأهم أنه لا يوجب أبدا إراقة الدماء ولا إتلاف الأموال ولا انتهاك الأعراض لأن إقامة المجتمع المسلم إنما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة. ومن هنا أرى أنه يجب الحوار والمناظرة مع هؤلاء على أرض الواقع لأنهم للأسف مغرر بهم بتأويلات مغلوطة واستدلالات فاسدة.

هذه التنظيمات تبرر قتل المدنيين وتستند في ذلك على بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ما أمثلة ذلك؟ وكيف تبرر التنظيمات المتطرفة أفعالها بالاستناد على الشريعة؟

منظرو وشيوخ فصائل وجماعات الإرهاب يعمدون إلى الخلط، فقد خلطوا بين الجهاد المشروع بالذود عن الأرض والعرض والمال وأخذوا آيات الجهاد المشروع وجعلوها تبريرات للخروج على الحاكم. يستندون مثلا إلى قوله تعالى "وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ. وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (الآية 72 من سورة الأنفال). هنا يقول الدواعش إن الخليفة وأعوانه إذا طلبوا النصر فيجب على المسلمين المساعدة. وهذا خلط في الأوراق، لأن الآية لا تنصب على المسلمين وإنما تنصب على قتال مشروع ضد قوة محتلة كما كان في الماضي. يستدلون كذلك خطأ بآيات من سورة المائدة "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" (الآية 44) و "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (الآية 47). وطبعا الآيات لا تقصد تكفير المجتمع المسلم ولكنها تكفيرات عند علماء التفسير وشراح الأحاديث وعلماء العقيدة. فهناك استدلالات فاسدة، وهناك اجتزاء للسياق وهناك أيضا آيات منسوخة لها ظروفها الاستثنائية للأحوال الطارئة أو حالات اعتداءات كانت في أزمنة ماضية ضد الإسلام أو المسلمين. لكنهم للأسف أنزلوها عمدا على الأوضاع الحالية.

ما رد الإسلام على هذه التبريرات بخصوص قتل المدنيين؟

لدينا آيات في سورة البقرة. قال الله عز وجل "وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ. وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ.فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ . وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ". ولدينا حديث النبي (ص) والذي رواه الشيخان البخاري ومسلم أنه قال "من حمل علينا السلاح فليس منا". فينبغي النظر إلى هؤلاء نظرة الخوارج. فسيدنا علي رضي الله عنه لما خرج عليه الخوارج أرسل إليهم سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وناظر الخوارج وعمل مراجعات مع حوالي 4000 منهم. ولكننا الآن ننظر إليهم نظرة استعلاء غير علمية وهذا خطأ، فهؤلاء يدمرون البنية التحتية للوطن ويريقون دماء المدنيين الأبرياء ويضعفون الاقتصاد. ويجب التعامل معهم باعتبارهم ميكروبا لا بد أن يعالج، أما نظرة الاستعلاء أو التهوين فخاطئة ولا تفيد.

طيب. وهذا القتل الذي يمارسون، ألا يدفع إلى القول إنه يوجد في الدين ما يبرر القتل؟

بالطبع لا، لأن النفس البشرية معصومة بلسان الشرع. هذه قضية محسومة في الإسلام. قال عليه الصلاة والسلام "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" و"كل المسلم على المسلم حرام". وبالتالي ليس في الدين ما يبرر القتل أيا كان. ولكن أقولها بكل بصراحة صوتنا صوت الموضوعية والواقعية لا يصل إلى هؤلاء المغرر بهم. فهم فريسة للذين حرفوا صحيح الإسلام وحرفوا النصوص الشرعية. وهنا أقول للجميع الدين الإسلامي ليس بمتهم فيدافع عنه والدين الإسلامي ليس بمدان فيعتذر عنه. ويجب التعريف بصحيح الإسلام ودعوته للسلام العالمي ولحسن معاملة أهل الكتاب، ولحفظ الدماء وصيانة الأعراض وحماية الأموال. هناك 133 آية في القرآن الكريم تدعو إلى السلم والسلام، بينما توجد 6 آيات فقط تدعو إلى القتال الدفاعي لأن القتال أو الجهاد المشروع في الإسلام ليس هجوميا، وليس للتوسع أو الاستعباد أو لاحتلال أراضي الغير بل هو عمل دفاعي.

تفتي هذه الجماعات بأنه لا توجد مشكلة في قتل المدنيين أثناء استهداف من يسمونهم " الطواغيت ". فهل يجوز استهداف وقتل المدنيين في حالة القتال في الإسلام؟

بالطبع لا .. فالأشياخ والقواد والمرجعيات لهذه الفصائل الإرهابية لا حظ لهم من الدراسات الشرعية ولا الفقهية. ففي كتب الفقه في باب الجهاد أو السير كان أهل العلم، استنادا إلى أحاديث النبي محمد (ص) عن قتل الراهب والراهبة وعن قتل رجال الدين، يوردون عبارات "وينهى عن قتل المدنيين" وهم في الفقه التراثي الفلاحون. وليس بالمعنى الدارج اليوم. قتلهم ممنوع كما يمنع قتل النساء والأطفال .

يقولون إن من قُتل من المدنيين سيُبعثون على نياتهم وما ماتوا عليه. وبالتالي لن يحاسبهم الله على قتل هذه الأنفس. بما ترد على ذلك؟

ربنا رد عليهم "أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا" (الآية 32 من سورة المائدة). والرسول (ص) توعد من يقتل عامدا متعمدا بأن جزاءه كما في القرآن والسنة أنه في النار خالد مخلد. قال (ص) أول ما يحاسب عليه العباد يوم القيامة من حقوق العباد الدماء. أما قولهم إنهم يبعثون على ما كانوا عليه فأقول بل يبعث المتطرفون والإرهابيون على نواياهم واستحلال الدماء. وأنا أقول نص فقهاء الشريعة الإسلامية على أن من استحل المحرم ومن استحل الدماء فقد ارتد وخرج عن شريعة الإسلام، ولو كان ينطق بالشهادتين. ويقوي ذلك الحديث النبوي من حمل علينا السلاح فليس منا.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

آراءكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG