Accessibility links

بقلم صالح قشطة:

أيمن فارس، اسم مستعار لشاب أردني في منتصف الثلاثين من عمره، يتحدث لموقع (إرفع صوتك) عما وصفه بـ"التطرف" في الخطاب الديني الذي تلقاه عندما كان صغيراً في المدرسة، وعن الآثار التي تركها ذلك في شخصيته آنذاك.

يروي الشاب أنه يذكر جيداً أنه بالصف الثاني الابتدائي، حدثت الطلاب إحدى المعلمات عن غزوة أُحد، "والعذابات التي ذاقها المسلمون على أيدي الكفار، وحدثتنا عن أن الدين الحقيقي هو الإسلام وأن غير المسلمين ليسوا إلا كفاراً ومشركين".

ويتابع أن حديث المعلمة ترك فيه أثراً كبيراً "إلى حد أنني حقدت على كل مسيحي".

لم يكن أيمن آنذاك قادراً على تمييز المسلم من المسيحي من زملائه، إلا أنه لاحقاً عرف الطلبة المسيحيين كونهم يغادرون حصة الدين الإسلامي. ويقول "بعد عودتهم إلى الصف توجهت إلى إحداهن وتهجمت عليها لفظياً ونعتها بالكافرة، وقمت بدفعها للحائط وقلت لها كيف تتجرؤون وتعملون هذا برسولنا محمد والمسلمين في الغزوات"، مشيراً إلى زميلة أخرى كان قد قال لها "يجب أن تعلني إسلامك لأنك كافرة، وأخاف عليكِ أن تبقي كذلك".

أفكر بالتحول إلى دين آخر!

"تركت الإسلام وحاليا أفكر بالتحول إلى دين آخر!"، تقول الأردنية التي فضلت أن تسمي نفسها ياسمين (35 عاماً) مؤكدة لموقع (إرفع صوتك) أن تأثير المدرسة والمجتمع كانا سلبيان عليها. وتقول "وصلنا لمرحلة من التطرف بأن الزاني يجب أن يرجم، والزانية كذلك، وأنه لا بد من إقامة الحد وقتل من هو غير مقتنع بالدين الإسلامي ويرغب بدخول دين آخر".

وتشير إلى أنها جلست ذات مرة مع إحدى المتدينات التي كانت تقولها لي أن الأغاني حرام، والشعر حرام، وعندما سألتها إن كان هذا قد ورد نصاً تحريمه بالقرآن، "فقالت لي أن هذا ورد في الأحاديث النبوية، فسألتها إن كان من نقل الحديث إلينا لا ينسى، وهاجمتني على الفور"، ما زاد من احتدام ردة فعلها السلبية تجاه الإسلام ومن يمثله ممن هم على شاكلة تلك المتدينة. وتردف "الغالبية أصبحوا متشددين ومتطرفين، والموضوع بات منتشراً في المجتمع".

كما تشير ياسمين إلى طفلها، الذي تعتبر أن المدرسة أثرت بشكل كبير عليه. وتتساءل "كيف يطلب من طفل لا يتجاوز السادسة من عمره أن يحفظ سورة تتحدث عن المعارك والقتال؟".

وتقول ياسمين "سجلت ابني بمدرسة إسلامية، وعاد لي بأفكار فوجئت بها"، مشيرة إلى أنه بات يقول لها إنه لا يريد الجلوس إلى جانب زميلته، لأن المعلمة أخبرته أن ذلك حرام.

وتتابع بأن طفلها ذات مرة قال لها "يجب ألّا نحب المسيحيين لأنهم كفّار"، وعندما سألته عن مصدر هذه المعلومة أخبرها بأن معلمته هي من قالت له ذلك.

لا تقتصر على المناهج

وبالنسبة لنبيل سليمان (40 عاماً) فإن الظاهرة لا تقتصر على المناهج والمدرسين، بل تمتد إلى "المجتمع والمسجد"، اللذين يقول إن لهما دوراً بالتأثير على النمط الفكري للطالب والفرد.

وخلال حديثه إلى موقع (إرفع صوتك)، يقول نبيل "في خطبة الجمعة على سبيل المثال يتم تأطير العلاقة مع الآخر وحصرها بشكل أيديولوجي صرف، ومع الوقت يجعلونك تصنف نفسك لا شعورياً في خانة (يا معنا يا ضدنا)".

الاهتمام المناسب

بدوره، يقول د. عامر الحافي، أستاذ الأديان في جامعة آل البيت والمستشار الأكاديمي في المعهد الملكي للدراسات الدينية، خلال حديث إلى موقع (إرفع صوتك) إن هذا النوع من الخطاب الديني يعتبر من الظواهر التي لم تلق الاهتمام المناسب حتى الآن.

ويؤكد أن أثر التشدد والتطرف الذي يحمله الخطاب لا يقتصر انعكاسه على غير المسلمين، بل ينعكس داخل المجتمع الإسلامي على الشباب المسلم أيضاً، بشكل ينتج "إسلاموفوبيا داخلية" لدى المجتمع الإسلامي نفسه.

"أصبح أن تكره العالم باسم الإسلام وكأنه شيء طبيعي، وأن تدعو للقتل شيئاً طبيعياً، وأن تكفر الناس جميعاً كأن ذلك هو الخطاب الإسلامي الطبيعي".

التحدي الأكبر

ويشير أستاذ الأديان مشيراً إلى أن "عدم القدرة على اكتشاف مدى الزيف في الخطاب الديني هو التحدي الأكبر اليوم"، معتبراً أن هناك "إغواء" في الخطاب الديني، ويشبه هذا "الإغواء" بالإنسان عندما يحب ولا يستطيع أن يكتشف عيوب محبوبه، ويشدد أن التعلق بالخطاب الديني أصبح نوعاً من التعلق العاطفي الشديد. "يندر أن تجد أشخاصاً لديهم القدرة على مراجعة هذا الخطاب واكتشاف عيوبه".

وعن خروج البعض من الدين على أثر الخطاب غير المعتدل، يقول د. عامر "أنا لا أسمي ذلك (ردة)"، ويؤكد أن كثير من الناس قد يعيشون حالة شك وإعادة النظر في خياراتهم الدينية. ويتابع "أعتبر هذا الإنسان يعيش مراجعة عميقة، قد أراه في موقف صادق مع نفسه، ولن أرى أنه تحول إلى خصم أو عدو للدين بمعناه الجوهري".

خطاب إنساني

وبحسب أستاذ الأديان، فإن معالجة الخطأ تكون من خلال البحث عن الخطاب الديني الإنساني العميق الذي يستوعب هموم الإنسان وتساؤلاته الفلسفية، ويستوعب إنسانية الإنسان ورفضه قتل الأبرياء وتكفير البشر والحكم عليهم بالجحيم كونهم ينتمون لدين غير الإسلام.

ويقول الأستاذ "هذا الخطاب الديني يجب أن يجدد، فهو لا يبغض فقط غير المسلمين، بل يبغض المسلمين أنفسهم، لأن الخطاب الديني نفسه أصبح ضحية للاستقطاب السياسي، وأصبح جزءاً من حالة الانتكاس الحضاري والثقافي".

وفي ختام حديثه، يصف بعضاً من الخطاب الإسلامي بأنه "غير قادر على استيعاب الشيعي، فكيف سيستوعب المسيحي واليهودي والهندوسي؟".

ويضيف "الآن، لو قال سياسي عربي كلمة إيجابية عن المذهب الآخر (عن إيران والشيعة)، تقلب المعادلات السياسية العربية مباشرة رأساً على عقب، فكيف يمكن لهذا المجتمع أن يتقبل الآخر، ما دام الآخر أصبح هو الشيطان، إذاً لدينا هناك نوعاً من الإقصائية والأفكار المطلقة، وهذا جزء من مشكلتنا الأساسية".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659​

آراؤكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG