Accessibility links

بقلم هاني نقشبندي:

ابتداء من أحداث سبتمبر/أيلول، أعلنت الدول العربية، أكثر من بقية الدول الإسلامية، حربا غير مسبوقة على التطرف الديني. تقيم الندوات، والمؤتمرات، وتشارك في لجان، وتنشر إعلانات مدفوعة وغير مدفوعة لتؤكد للعالم أنها تقف في خندق التسامح ضد التطرف الديني. وهنا أتساءل: هل سننجح في إثبات اعتدالنا أمام العالم أم أن قدرتنا على وقف التطرف الآخذ في التصاعد قد لا تكتمل ولن تصل للمستوى المنشود؟

إن أردنا رسميا إبهار العالم بجهودنا الاعتدالية، فلن نكشف بأية حال عن وجه آخر شعبي يميل في شيء منه إلى التطرف.

المسافة بيننا وبين الاعتدال ما تزال بعيدة. ففي الوقت الذي ندعي فيه الاعتدال، يكفّر كثير منّا أبناء أي طائفة لا تتفق مع طائفته، ناهيكم عن أولئك الذين يختلفون عن دينه!

كيف ننجح في تأكيد اعتدالنا بنفقات باهظة على مؤتمرات فكرية ودينية ونحن نمنع المسيحي من ممارسة معتقده بحرية في أرضنا، ونحضر على الشيعي، أو أي طائفة تشاركنا الوطن نفسه، من أن يكون لها دور في تنمية المجتمع، وحضور في الإعلام الرسمي والشعبي؟

هل سبق أن رأينا قناة إسلامية تستضيف قسا مسيحيا؟ هل سبق أن رأينا قناة إسلامية سنية تستضيف إماما شيعيا؟ والعكس بالعكس أيضا.

رفض الآخر هو نهج تكرّس في الدول الإسلامية، والعربية تحديدا، على مدى عقود، إن لم يكن قرونا. وليست أحداث سبتمبر، أو عشرة مثلها، هي من سيغير هذا النهج في بضعة أعوام أو عقود. وإن كان المشوار نحو الاعتدال قد ابتدأ، وهذا في حد ذاته شيء جيد؛ فإن المشوار طويل.

منذ سنوات كان لي برنامج تلفزيوني بعنوان "حوار هاني" على قناة دبي. منعت أول حلقة منه وكان اسمها "الكنائس في الخليج". أعددتها بمناسبة تبرع الشيخ سلطان القاسمي، حاكم الشارقة، بأرض لبناء كنيسة أرثوذكسية تخدم الرعية المسيحية في المنطقة حينها. لم يكن البرنامج ليهدف أكثر من إثبات التسامح الخليجي مع الأديان من خلال هذا العمل النبيل للشيخ القاسمي. مع هذا لم تبث الحلقة. أيا كان السبب وراء ذلك، فهو يكشف أن فكرة وجود رمز ديني غير إسلامي في المنطقة هو أمر مرفوض على المستوى الشعبي.

منذ أعوام بسيطة فقط، كانت الأصوات المطالبة بالإصلاح تسير في اتجاه واحد، وهو السياسة. ثم انتقلت إلى المطالبة بالإصلاح الاقتصادي، فالاجتماعي. وغاب عن تلك الأصوات، بما فيها الخارجية منها والغربية تحديدا، أن أهم أنواع الإصلاح الغائبة عن الساحة العربية هو الإصلاح الديني.

لربما كانت هناك اليوم إرادة سياسية صادقة في محاربة التطرف، وأستشهد هنا ببرنامج "اعتدال" الذي أطلقته الرياض مؤخرا، بهدف محاربة التطرف على المستوى العالمي، وهو برنامج يستحق كل دعم محلي ودولي، لكني أشك أن تكون هناك إرادة مساوية على المستوى الشعبي. ربما كان تأثير السلطة على الشارع العربي قويا ونافذا، إلا أنه وأمام المسألة الدينية، تفقد تلك السلطة بعض قوتها، حتى الآن على الأقل.

مع هذا، سأكرر قائلا إن المشوار طويل، لكن الرحلة قد بدأت على أية حال.

عن الكاتب: هاني النقشبندي، روائي وصحافي سعودي. شغل عدة مناصب منها رئيس تحرير مجلة "المجلة"، ومجلة "الشرق الأوسط"، و"سيدتي". له مشاركات تلفزيونية وبرنامج مع قناة دبي بعنوان "حوار هاني" حتى عام 2008. متفرغ حاليا للعمل الروائي وكتابة المقالات. صدرت له سبع روايات وكتب فكرية وفلسفية. يعيش متنقلا بين دبي ولندن وجدة.

لمتابعة الكاتب على تويتر اضغط هنا

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

آراؤكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG