Accessibility links

بقلم هاني نقشبندي:

يجمع العالم على ضرورة حشد قواه لمحاربة داعش والقاعدة والإرهاب. جيّشنا الجيوش وعقدنا الصفقات العسكرية ووظفنا نصف العالم للتجسس على النصف الآخر لتحقيق تلك الغاية.

نحن اليوم نكرر ما فعلناه سابقا مع طالبان في أفغانستان من قمم تورا بورا وحتى تمبوكتو مرورا بقمم الهيمالايا لو استطعنا إليها سبيلا.

ونحن إن ادعينا انتصارا خجولا هنا أو هناك، فهم لم يطل الرأس بقدر ما نال من الأطراف وحدها. فنحن لم نهزم القاعدة ولا داعش بالشكل الذي أردناه وسخينا عليه بالمال والسلاح. بل سأزيد على ذلك أننا، شئنا أم أبينا، قد ساهمنا في نموهما بشكل أكبر وأسرع. ولعل سبب فشلنا هنا يعود إلى عاملين:

أولا: إن حربنا تركزت على تنظيمات، مثل داعش والنصرة والقاعدة.. الخ، ولم تنصرف إلى محاربة التطرف نفسه. أي الفكرة نفسها. ذلك إن قوة التطرف هي في انعدام كيانه، بلا جيش ولا نظام. فما عاد التطرف يؤمن بوطن أو أرض تحميه. حتى "الدولة الإسلامية" التي أعلنت عن نفسها ككيان سياسي وعسكري، هي ليست أكثر من فكرة قادرة على الانتشار السريع، خاصة بعد دك معاقلها في العراق وسورية. عندما بدأ الأمر مع القاعدة في أفغانستان، وجيّشنا الأرض والسماء لضربها، كانت النتيجة أن انتشر الوحش كشظايا في العالم. واليوم يحدث الشيء نفسه مع داعش التي لم تلبث أن كشفت عن أنسباء وأقرباء لها حتى في ضواحي القرى الكندية المعزولة.

العامل الثاني لفشلنا هو: إننا نحارب النتيجة لا السبب. والتطرف نتيجة وليس سببا للإرهاب.

لننظر إلى خارطة التطرف الإسلامي. سنجد أن جل أعضائه يأتون من دول عربية من العالم الثالث. حتى أولئك الذين يحملون الجنسية الغربية، هم في الأصل من نفس هذا العالم. قد يقول البعض إن القاسم المشترك بينهم أنهم مسلمون أصوليون. هذا صحيح من الناحية التنظيرية. لكن يبقى السؤال: ما الذي يدفع هؤلاء الشباب للأخذ بالشق العنيف في الإسلام وتجاهل الشق اللين الذي يؤمن بالمحبة والتسامح؟

قد نقول إن هناك خطأ في فهم الدين لديهم، وخللا في الشخصية التي فهمت هذا الدين أيضا. ولعلني أجازف قليلا إن قلت أيضا أن هناك تعمدا في هذا الفهم الخاطئ لتبرير الثورة على الآخرين. ولن أدعي أن الإحساس بالظلم والقهر، في مجتمعات تكاد تنعدم فيها فرص متكافئة لحياة كريمة، بريئة من ذلك. وهو ما يدفعني إلى القول بثقة إن غياب التنمية في المجتمعات الإسلامية، سيما العربية منها، يلقي بضلاله كمتهم رئيسي لجنوح الشباب نحو التطرف. هؤلاء قد لا يعرفون الكثير عن الإسلام، ناهيكم عن معرفتهم بالأديان الأخرى. هم ليسوا جهلة أو اشرارا بطبيعتهم، لكنهم لا يريدون أن يعرفوا أكثر من أن "الحرب ضد الكفار هي حرب مقدسة"، ولو كان من يقاتلونه مسؤول مسلم من أبناء جلدتهم ودينهم. لأنهم يرونه خصما لهم وهو سبب فقرهم وما لحق بهم من ظلم.

باختصار، إنه غياب التنمية ثانية. ولعل هذا يفسر قلة المنتمين إلى الجهات التكفيرية من دول إسلامية أخرى هي أكثر نموا من غيرها من الدول العربية، مثل ماليزيا وإندونيسيا اللتان يفوق تعداد المسلمين فيهما العالم العربي مجتمعا.

من يسرق هو لا يفعل ذلك من باب الترفيه أو الإثارة، بل بدافع الجوع. كذلك الذي يقتل باسم الله والدين هو لا يفعل ذلك من باب الوجاهة أو لإيمان قوي بالجهاد، بل لإحساسه بالظلم والحاجة، وهما رافدان قويان للنهر الهائج. أنا لا أبرر الجرم لكنني أحلل أسبابه. وغياب الكثير من العدالة في توزيع الثروات والمناصب، مع الفاقة والعجز، إن لم يكن سببا رئيسيا، فهو قوي في حشر بذرة تطرف صغيرة في نفس كل محروم.

نحن ننفق عشرات المليارات على التسلح العسكري لمواجهة تطرف الشباب. وفي يقيني أننا لو صرفنا مليارا واحدا على تنمية مستدامة وحقيقية لحققنا من النتائج في محاربة التطرف أضعاف ما ستحققه آلة عسكرية تستنزف مواردنا وتزيد من تراجع برامج التنمية لدينا. وإن أراد الغرب أن يكون له دور فعّال هنا، فليس بإرسال المزيد من السلاح، بل بدعم برامج الإصلاح العربية والضغط في هذا الاتجاه.

يجب أن أعترف هنا بأن السعودية قد خطت جيدا في هذا الاتجاه عندما سعت إلى إعادة دمج المتطرفين التائبين في المجتمع، ثم اتبعت ذلك ببرامج توعية ومحاولة لفهم احتياجاتهم. ولست اشك أن العوائد ستكون مثمرة أكثر لو استبقت الدول العربية تطرف الشباب لديها بإطلاق برامج تنمية حقيقية ومستمرة لا تنمية على الورق فقط.

عن الكاتب: هاني النقشبندي، روائي وصحافي سعودي. شغل عدة مناصب منها رئيس تحرير مجلة "المجلة"، ومجلة "الشرق الأوسط"، و"سيدتي". له مشاركات تلفزيونية وبرنامج مع قناة دبي بعنوان "حوار هاني" حتى عام 2008. متفرغ حاليا للعمل الروائي وكتابة المقالات. صدرت له سبع روايات وكتب فكرية وفلسفية. يعيش متنقلا بين دبي ولندن وجدة.

لمتابعة الكاتب على تويتر اضغط هنا

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

آراءكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG