Accessibility links

تجارة مخدرات أم تجارة حريات؟


من أصواتكم - ضياء الكجو

مشاركة من صديق (إرفع صوتك) ضياء الكجو:

يسرد الكاتب الأميركي إرنست همنغواي في روايته "وداعاً للسلاح"، التي تدور أحداثها أثناء الحرب العالمية الأولى، موقفا لافتا عن ظاهرة توظيف "المومسات" من قبل حكومات بعض الدول المتحاربة، وهي طريقة جهنمية لإعادة أموال الرواتب لتلك الحكومات من أجل توزيعها على الجنود من جديد في الشهر القادم. كان الجندي يصرف مرتبه على ساعة يقضيها مع امرأة مومس ليختلس لحظة من براثن الموت المتربص به.

في هذه اللحظة، ركّز همنغواي العظيم على هول ومأساة الوجود الإنساني ككل. واليوم يبدو أن متسلطين على الشعب العراقي من أحزاب طائفية وميليشيات وجماعات مسلحة منفلتة نتيجة ضعف سلطة الدولة، يكررون ما فعلته الحكومات في رواية همنغواي وبوسائل أكثر ربحاً.

بسبب قوانين حظر جعلوا ملاهي، ومواخير، وتجارة مشروب كحولي تفتتح بطريقة غير شرعية ليضطروا لدفع رشاوى لهم لتدرّ ربحاً أكثر عليهم. والمخدرات تخدر طاقة الشباب فتكفي المتسلطين شرهم. كلها تجارة لجلب الأموال للفاسدين وكأن سرقة أموال النفط وتدمير الاقتصاد لم تعد كافية لدى هؤلاء لإشباع أطماعهم.

لكن نعود ونقول لم لا؟!

فنحن لم نحتج، ونحن كشعب من جلبنا الويل علينا!

لم نحتج والعراق يعيش حرباً لا تنتهي ونحنُ وقودها، ومأساةً بلا نهاية تسحق قلوبنا؛ فصار حال كل مواطن عراقي كحال ذلك الجندي الذي يحاول سرقة لحظة من الحياة من براثن الموت!

الحياة هي حق كل كائن حي، والإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يحتاج لما هو أكثر من الحياة ليشعر أنه حي؛ فالإنسان يحتاج للحرية في ممارسته للحياة ليشعر بالحياة. يحتاج لحريته في الإيمان والاعتقاد. ويحتاج الإنسان بالتأكيد لحريته في ممارسة غرائزه الجنسية ولكلا الجنسين؛ فالمفارقة المضحكة هي أن الحيوان، أو أي كائن حي على الأرض، هو كائن حر في ممارسته للجنس عدا الإنسان في بلادنا!

هذا الحق هو حق في الحياة نفسها، وهذه الغريزة هي غريزة الاستمرار. لذلك، فمن الطبيعي أن لا تكون هذه الحرية مقموعة لأنها لو قمعت لتحولت طاقة الحياة الإيجابية إلى طاقة سلبية مكبوتة مدمرة للإنسان ومدمرة المجتمع ككل، وهذا الشيء معروف لدى علماء النفس. وآثار التدمير هذه باتت واضحة للعيان في مجتمعنا؛ فنحن قد تعودنا على قمع حرياتنا إلى الحد الذي بتنا ننظر إليها بأنها أشياء محرمة فوصلنا إلى نتيجة نهائية بأن الحياة نفسها باتت هي المحرمة بالنسبة لنا؛ ففقدنا احترامنا للحياة وفقدنا احترمنا للإنسان في بلادنا، فما من شيء أرخص اليوم في العراق من حياة المواطن العراقي، وهذا كلامٌ يردده اليوم كل عراقي.

كلامي هذا لا أريده أن يفسر من قبل من تعودوا أن يفهموا الكلام بسطحية ويقولوا إنه دعوة إلى الانفلات والتفكك الأخلاقي. بل بالعكس، هو دعوة لإعادة التقييم وإعادة بناء فهم جديد للحياة وأسلوب عصري في ممارسة الحياة يخرجنا من الواقع المأساوي الذي نعيشه اليوم. نحنُ البشر نعيش ضمن مجتمع؛ فيجب ألا تتعدى الحرية الشخصية لأي فرد على حرية الآخرين. هذه هي القاعدة الذهبية لممارسة الحرية الشخصية سواء كانت حرية جنسية أو حرية احتساء المشروبات الروحية أو أي حرية شخصية أخرى. وليست تلك القواعد الرجعية القامعة للحريات الشخصية التي تُفرض اليوم في العراق من قبل جهات غير مخوّلة من قبل الشعب والتي نصبت نفسها حامية لمعتقدات دينية، باستخدام منطق القوة الغاشمة التي تملكها والتسلط الأعمى على الشعب.

تستخدم هذه الجهات الدين ومشاعر الناس البسطاء كأداة لترسيخ سلطتها على الشعب المستضعف؛ فهذه الجهات في حقيقتها لا تؤمن بما تحاول فرضه على المجتمع من تضييق للحريات بحجة الدين والشرع، والدليل هو ما بات يدركه أغلب الشعب العراقي بأن نفس هذه الجهات هي من تدير الملاهي وتجارة المخدرات والمشروبات الروحية. وتحقق من خلال هذه التجارة أرباحاً هائلة، كونها جعلت من حرية الناس الشخصية سلعة تحتكرها لها وحدها، بعد أن عملت من خلال نفس أدواتها وأشخاصها السياسيين على تشريع قوانين بحجج دينية وفقهية (لم ينتهي الجدل فيها منذ عصر فجر الديانات السماوية ولحد اليوم) تمنع من خلالها الاتجار بالمشروبات الروحية لتفتح المجال لتجارة أخطر وهي تجارة المخدرات، التي لم تكن معروفة في عهد الأنبياء والفقهاء، أي زمن نزول الرسالات السماوية لسوء حضنا وإلا لكنا اليوم نحاجج هؤلاء بآيات مقدسة صريحة تحرم تعاطي المخدرات.

ولو كان كذلك، لحرمنا المتاجرين بالدين والمخدرات من الأرباح الهائلة التي تُدر عليهم من خلال استمرار معاناتنا نحن.. وتسلطهم علينا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

XS
SM
MD
LG