Accessibility links

لماذا التطرف الإسلامي أكثره عربي؟


هاني نقشبندي

بقلم هاني نقشبندي:

كثيرا ما تساءلت: لماذا هو التطرف الإسلامي عربي أكثره؟ حتى ما هو موجود منه في بعض الدول الآسيوية، مثل ماليزيا وإندونيسيا وحتى الفلبين، بل والأوروبية أيضا مثل الشيشان والبلقان، ستجد يدا عربية وقد لعبت دورا فيه. ربما يعزى الأمر إلى أن الرسالة الإسلامية نزلت في أرض العرب وأن القرآن عربي والأحاديث النبوية عربية، كما هي الرموز الإسلامية التاريخية عربية في معظمها.

يبدو كل ذلك صحيحا وإن كان لا يبرر لماذا هو التطرف عربي اللغة في أكثره، رغم إصرار التعاليم الإسلامية على التسامح مع الآخرين؟

أعتقد أن السبب وراء ذلك يكمن في أمرين:

أولا: العصبية القبلية العربية، والتي تجنح إلى القتال، دفاعا أو هجوما، عن مكتسبات الصحراء الشحيحة، مؤمنة بأن الغريب أو الآخر لا خير فيه، وأجمل وصف له أنه طامع بتلك المكتسبات. وهي عصبية لا تقبل أنصاف الحلول، فإما مع أو ضد. ولما وجد الإسلام في جزيرة العرب، باتت تلك العقيدة كعهدة إلهية أزلية، تستوجب القتال من أجلها، سواء لدافع ديني محض أو دنيوي، أو خليط بين هذا وذاك.

وليس سرا القول إن الإسلام، مثل كثير من الأديان الأخرى، قد اعتمد كثيرا في مسيرته على البعد الاقتصادي. ويمكن الإشارة هنا إلى حرب الردة التي شنها الخليفة الأول للمسلمين أبو بكر الصديق ضد أولئك الذين رفضوا دفع الزكاة بعد وفاة الرسول عليه السلام. عليه، ليس من الخطأ القول إنه بجانب الرغبة الحقيقية والمخلصة لدى بعض القيادات الإسلامية في نشر العقيدة في البلدان الجديدة في تلك الحقبة؛ فقد كانت هناك جوانب اقتصادية أيضا تبرر شن تلك الغزوات. وفوق هذه الاعتبارات الاقتصادية، فإن افتراض عداء الآخرين الدائم لك، يبرر أن يكون هجومك هو الدفاع الأمثل.

اقرأ أيضا:

لن تنتصر المدافع على الإرهاب!

ثانيا: الارتباط الوثيق بين العقلية العربية والسلاح. فقد كان ولا يزال، في كثير من البلدان العربية رمز الرجولة الحقيقية. وأوضح مثال هنا هو اليمن، أصل المنشأ العربي، حيث يولد الطفل وفي يده سلاح لا يفارقه حتى موته. ويبدو أن مثل هذا الارتباط متوارث في الذهنية العربية جيلا بعد جيل. ونحن لو نظرنا إلى المناسبات الشعبية العربية، حتى السعيدة والمبهجة منها، سنجد أن السلاح هو أبرز المدعوين. إذ لا تكاد تخلو أهزوجة أو رقصة من سلاح يرافقها، خنجر، أو سيف، أو عصا.

هذا الالتحام بين العصبية العربية المرتبطة بأرضها وما عليها، وعشق السلاح الذي لا فكاك عنه، يبدو مزيجا ليس خطيرا بالضرورة عندما لا يتعرض للتهديد. لكن، ومع ما شهده العالم العربي في قرونه الأخيرة من خيبات سياسية، بدءا من حركات الاستعمار، وضياع فلسطين، وتوالي الانهزامات السياسية والعسكرية، فقد حفز كل ذلك على إطلاق العفريت من قمقمه مدججا بأي سلاح وجد، ولو كان سيفا خشبيا.

لا شك أن الثقافة العربية عميقة ومؤثرة. وهناك جانب، بل عدة جوانب مشرقة في هذه الثقافة. لكنها جوانب تاريخية في أكثرها. وللأسف، فإن تقهقر التقدم العربي، قد ساهم في زيادة حدة طبعنا، سيما وأن الشخصية العربية تميل إلى إظهار قوتها وتفوقها.

ومع انحسار هذا التفوق، تحول الفخر إلى خيبات ساهمت بدورها في ثورة الشخصية العربية على ذاتها وما قد يحيط بها. ويبدو أن كل ثروات المنطقة، وانفتاحها على العالم اليوم، قد عجز عن تغيير تلك المكونات في هذه الشخصية، ولو إلى الآن على الأقل. فقد بقيت النظر إلى الآخر مسكونة بالشك. مع إيمان مطلق بأنه خصم لنا، ولو قبل وجنتينا. لذلك يمكن القول إن افتراض حسن النية، والتواصل مع الثقافات الأخرى هو ضرورة حتمية. لكن عليه أن يكون تواصلا يلغي التاريخ. حيث بقي الأخير دوما حائطا يصعب تجاوزه.

عن الكاتب: هاني النقشبندي، روائي وصحافي سعودي. شغل عدة مناصب منها رئيس تحرير مجلة "المجلة"، ومجلة "الشرق الأوسط"، و"سيدتي". له مشاركات تلفزيونية وبرنامج مع قناة دبي بعنوان "حوار هاني" حتى عام 2008. متفرغ حاليا للعمل الروائي وكتابة المقالات. صدرت له سبع روايات وكتب فكرية وفلسفية. يعيش متنقلا بين دبي ولندن وجدة.

لمتابعة الكاتب على تويتر اضغط هنا

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع (إرفع صوتك) أو شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ويتم نشرها إيماناً بحرية التعبير وضرورة فتح الباب أمام نقاش جاد للأسباب التي أدت إلى انتشار التطرف والإرهاب في المنطقة.

آراءكم

إظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG